لاستعراض الموقع بشكل صحيح عليك الترقية لمتصفح إنترنت اكسبلورر 9 أو استخدام متصفحات اخرى مثل Chrome, FireFox, Safari

مسيحهم الخرافي ومسيحنا الخرافي

لا تجد فيلسوفاً غربياً اليوم يتحدث في مسائل دينية أبداً إلا ما ندر، وذلك لأنهم دفنوا مسيحهم عدة مرات حتى تخلصوا منه نهائيا. أقصد دفنوا مسيحهم الخرافي الذي جعلهم يتحاربون ويتناحرون ويفنون بعضهم البعض، إلى أن اكتشفت فئة قليلة واعية منهم أن مسيحهم الخرافي هذا هو السبب في مشاكلهم تلك. فقاموا عندها بتفكيكه وتحليله ثم تمكنوا بعد سنين طويلة من دفنه، ولعل آخر وأشهر من فعل ذلك هو الفيلسوف الألماني نيتشه.

والآن بعد مائة سنة من رحيل نيتشه نجد الغرب مشغول ببناء الإنسان فوق الإنسان وبناء الحضارة بعد الحضارة. لا تشغله مشاكل بديهية أو تافهة عن ذلك. فمن كان يشغلهم تخلصوا منه، واحتفظوا بجوهره الذي يبني الإنسان وعقله بدلا من قتل الإنسان وعقله.

أما هنا بين العرب والمسلمين، فتجد الطبيب يتكلم وينشغل بالمشاكل الدينية، وترى المهندس والنجار والبنّاء وعلية القوم وأسافلهم مشغولون بنقاشات ومشكلات دينية وطائفية لا تنتهي، وتستنزف طاقة الناس الفكرية وقدراتهم الذهنية... والأدهى والأمر أن كثرة هذا الجدل لا يفضي إلى نتيجة ولا يتغير شيء. تبقى الخلافات وتبقى الطائفية، بل تزيد يوما بعد يوم...

لماذا؟

لأن مسيحنا الخرافي لا يزال يتجوّل بيننا ويتحكم بعقولنا ويملي علينا أن نقصي الآخرين ونكفرهم وندخلهم النار كما كان نظيره الأوروبي يفعل بالأوروبيين... هذا الكائن الخرافي الذي يلعب بنا يحتاج اليوم لمن يقوم بتفكيكه وتحليله، ثم في النهاية دفنه.

و لكن مشكلة المتأسلمين أنهم إذا رأوا أحد أبنائهم يقترب من هذا المجرم الخرافي، قفزوا عليه ووضعوا حد السكين على عنقه... كفّروا نصر حامد أبو زيد فعاش هارباً ومات مغترباً في هولندا. زندقوا أحمد القبانجي ورموه في غياهب السجن... وفعلوا مثل ذلك في العصر الحديث عشرات المرات.

ثم يقولون لماذا نحن متخلفين ولماذا الغرب متقدم!! العجيب أن الواحد من هؤلاء المتأسلمين إذا سكن في الغرب رفع شعار الحرية الفكرية والدينية التي يعيش في ظلها هناك ورمى الطائفية والاحتكار الديني جانبا، ثم ما أن يعود لدياره حتى يعود لطبعه وطائفيته!

الوقوف في وجه التجديد هو غالبا وقوف في الجانب الخطأ. الوقوف في وجه التجديد هو غالبا وقوف عكس تيار الطبيعة... نعم هناك قيم إنسانية وكونية لا تتغير، أما الأيدولوجيات والتفاصيل فتتغير وتتطور مع تغيّر طبيعة الإنسان وتقدّم الزمن، وتراكم المعرفة.