لاستعراض الموقع بشكل صحيح عليك الترقية لمتصفح إنترنت اكسبلورر 9 أو استخدام متصفحات اخرى مثل Chrome, FireFox, Safari

التخويف بالمجهول

كانت الأمهات والجدات في منطقتنا يخوفون أولادهم الصغار بشيء اسمه «أم الخضر والليف» عندما يبكون أو يرفعون أصواتهم بطلب شيء ما، وذلك من أجل إسكاتهم خوفا من هذا المجهول الذي ترتسم له في ذهن الطفل صوراً مرعبة تجعل من هذا الطفل البريء يقبل بوضعه القائم وينام ساكتا، حتى لو كان جائعاً أو عطشاناً.

كبرنا لاحقاً وعرفنا أن «أم الخضر والليف» ما هي إلا النخلة ذات «الخضر» أي السعف الأخضر والليف المعروف، فأصبحنا نضحك أنه كيف كانت الأمهات تخوفنا من شيء موجود بيننا ونتعايش معه بصورة يومية، ولكنهن غيروا فقط اسمه وصوروه لنا بأنه وحش مفترس ومخيف.

هذه الصورة تراءت لي وأنا أراجع حجم التخويف الهائل الذي تمارسه بعض الحكومات وأجهزتها الاستخباراتية في منطقتنا العربية في ظل التطورات المتنامية والمطالبة بالإصلاح والتغيير، حيث تصور لشعوبها أنها مهددة بمخاطر جمة من أطراف وجهات مختلفة، وتتفنن في تغيير أسماء جهات التخويف المتخيلة وتصويرها وكأن لديها قدرات خارقة لزعزعة المجتمعات واختراقها.

خلال هذه المرحلة والعقود التي سبقتها تعيش المجتمعات العربية في أوهام الخوف من عدو مجهول قد يبدو داخليا أو خارجيا، ويضخم هذا المجهول في الأذهان بصورة مرعبة تجعل الجميع يتوجس منه خيفة ورعبا ومن كل ما يتعلق به من قريب أو بعيد، دون أن يدرك أحد من الناس كنهه وماهيته وحجمه ودوره.

سياسة التخويف هذه تعتمد أساسا على التجهيل، ونشر معلومات كاذبة وغير حقيقية، وتسريب قصص استخباراتية ليس لها أي مصداقية، واختلاق تصورات هي أقرب للخيال منها إلى الحقيقة، كل ذلك بهدف تأكيد حجم وخطورة هذا العدو المتوهم وقدرته على تحقيق أهدافه. ليس ضروريا أن يكون هذا المجهول المتوهم طرفا خارجيا، بل إنه أحيانا يكون جزءا من الكيان داخل الوطن الواحد، ويبرز للآخرين وكان له حجم كبير ومؤثر ودور مخيف.

يتحول هذا العدو المتوهم مع مرور الزمن إلى مصدر خوف وقلق، وتنسب له كل الوقائع والأحداث والقضايا، ويبدو في نظر الناس العاديين أنه عدو حقيقي ومخيف، وأخطبوط متنفذ في كل الأركان والزوايا. كل الهدف من ذلك هو أن لا يرتفع أي صوت مطلبي يتمرد على ما هو قائم، لأن النتيجة ستكون لصالح هذا العدو المتخيل - كما يصورون -.

إصدارات كثيرة كشفت مثل هذه المخططات والألاعيب من قبل بعض من ساهموا في ترويجها، وخاصة من الدوائر الاستخباراتية والسياسية الغربية. ومن المهم أن تتسلح مجتمعاتنا بالوعي والمعرفة والتحليل لتكتشف زيف هذه الادعاءات والمخططات المعروفة أهدافها.

في زمننا هذا لو أن إحدى الأمهات خوفت طفلها بـ «أم الخضر والليف»، فمن المؤكد أنه سيقوم بجلب الآيباد والبحث عن ذلك بشكل دقيق وكشف زيف أسلوبها وضعفه، خلافا لما كان يجري في أيام الجهل وندرة المعلومة ووسائل تدقيقها.

صحيفة الشرق
رجل أعمال وناشط اجتماعي، حاصل على ماجستير في الإدارة المالية من أمريكا. مهتم بقضايا المجتمع المدني وحقوق الانسان، راعى «منتدى الثلاثاء الثقافي» بالقطيف.