لاستعراض الموقع بشكل صحيح عليك الترقية لمتصفح إنترنت اكسبلورر 9 أو استخدام متصفحات اخرى مثل Chrome, FireFox, Safari

حادثة سيهات المفجعة أدمت القلوب... وكشفت العيوب

الكلمات بكل بلاغتها وكل ما تستطيع أن تحمله لنا من معاني، لا تستطيع بلا شك أن تفي حق الوجع ولا الألم الذي أصابنا وما ملأ قلوبنا بسبب ما جرى في «حادثة طفلي سيهات». لكننا هنا، سنرفع عن أنفسنا قليلاً من عبئ تلك المصيبة وثقلها، بالاعتراف بالقول بعد التقصير أمام تلك المصيبة وكل مصائب الدنيا المشابهة لها، بأن أقدار الله لا ترد. والعزاء الدائم هنا في هذه المصيبة الجلل، كما في غيرها من المصائب، هو أننا كلنا جميعاً ماضون بإرادة الله ومشيئته سبحانه من هذه الحياة الدنيا على نفس هذا الدرب، مهما طالت المدة أو قصرت. وأياً تكن حيثيات رحيل أيٍ منا، فالنتيجة في حقيقتها ستظل واحدة لا تتغير.

ولقد قضي القضاء في حادثة طفلي سيهات، ولا يمكن العودة هنا لنقطة الصفر، وكل ما أتذكره هنا في التعزية لوالدي الطفلين وذويهما، هو ما قاله لي أحد زملائي السنة - حفظه الله - في مواساتي بعد وفاة الوالد رحمه الله في حادثة دهس مفجعة وقعت في صبيحة السابع من محرمٍ الحرام عام 1425 هـ، حيث قال لي حينها بعد أيام قليلة من الحادثة وكان الألم والوجع حينها في غايته: «كل شيء يبدأ في هذه الحياة صغيراً ثم يكبر، إلا المصيبة، فإنها تبدأ كبيرة ثم تصغر». وذلك هو ما يحدث فعلاً في واقع البشر، ولو بعد مدة طويلة، فهذا هو برنامج الحياة المفروض على جيناتنا وأدمغتنا جميعاً. والقرار في النهاية هنا ليس بيد الإنسان، فهي أقدار الله مهما كان الألم، ومهما كان حجم المعاناة... ولا راد لقضاء الله إلا بأمره.

وهذا طبعاً لا يخلي ساحتنا أفراداً ولا ساحة الجهات الرسمية ولا الشعبية الجمعية من المسؤولية التي يجب أن تقع على عواتقنا ويتوجب أن نتحملها جميعاً وفي المقدمة في أزمنتنا الحاضرة تلك الجهات الرسمية التي يجب أن تتحمل معظم تلك المسؤولية تجاه المعاناة البشرية جراء الحوادث التي تكشف قصوراً في التنظيم أو خللاً في الأجهزة والمؤسسات أو القوانين أو غير ذلك، خصوصاً عندما يكون الضحايا هنا من ملائكة الله في أرضه أطهر البشر الذين لم تلوثهم الحياة في حداثة سنهم ولم تعبث بطهر فطرتهم بسبب الصراعات والمشاحنات البشرية وهم «الأطفال الصغار»، الذين لم يدركوا بعد الكثير من جوانب الحياة المظلمة وأشكال المعانة الموجودة فيها.

لقد كشفت تلك الحادثة المفجعة التي وقعت في سيهات، الحاجة الملحة لوجود أجهزة أمنية مسؤولة عن أمن وسلامة الطلاب والطالبات، بل وسلامة المجمعات التعليمية والمدارس المختلفة ورياض الأطفال... الخ، التي يجب التركيز عليها لخصوصية وجود الأطفال وصغار السن فيها. خصوصاً أن إشكاليات سلامة الطلاب والطالبات هنا لا تقف عند حدود حادثة دهس طالبي سيهات «رح» وما شابهها من الحوادث فحسب، بل الخرق يكاد يتسع على الراقع هنا، بسبب كثرة إشكاليات الأمن والسلامة، في واقعنا بشكلٍ عام، وهنا على الخصوص في واقع مدارسنا بشكلٍ خاص.

لقد تحدث البعض في تغريداتهم مؤخراً في تويتر بعد الحادثة، عن بعض جهود دول العالم المتحضر في هذا الجانب، في مفارقات عجيبة، تكشف حجم الخلل المؤلم الذي نعيشه. فما حدث في سيهات لم يكن ليحدث - بعد إرادة الله سبحانه وتعالى - لولا وجود خلل مخجل في واقعنا، يعزز حضور الحوادث المؤلمة المتكررة. ولو فرضنا جدلاً وجود مبرر واقعي لوقوع مثل تلك الحوادث في واقعنا حتى هذا اليوم، بسبب حداثة الدولة المدنية في العالم الثالث وحداثة التقنيات والأنظمة العصرية الموجودة فيها، فلن يكون هناك أي مبررٍ فعلي بالتأكيد لاستمرار وقوع مثل تلك الحوادث، في بلد له كل إمكانيات المملكة العربية السعودية، فيما يلي هذا اليوم أقلاً.

ومن جهة أخرى، فقد تحدث البعض - جزاهم الله خيراً - ضمن الجهود الشعبية عن تشكيل لجنة أهلية للسلامة المرورية في سيهات، وهي خطوة هامة وضرورية في ظل الوضع القائم، يفرضها القصور الحاصل في الأجهزة والمؤسسات والأنظمة الرسمية، وتحتاج منا لاستنساخ وتطوير دائم في جميع المناطق. وإن كان المطلوب واقعاً، هو دور حكومي رسمي، مؤهل للتصدي لمثل هذه المهمات المعقدة والصعبة، التي لا تستطيع احتواءها الجهات الشعبية. وبالتالي فالمطلوب هو ترقية الأنظمة والمؤسسات الرسمية ودعمها وتحسينها.

ومن الملاحظات الهامة هنا، التي تجب الإشارة لها في سياق نقاش الإشكاليات التي كشفتها وتكشفها حادثة سيهات هنا، والتي لاحظتها على مداخل بعض مدارس أرامكوا في المنطقة، هو وجود مسار خاص للسيارات المارة بالمدرسة، يعزل باصات وسيارات نقل الطلاب والطالبات عن الشارع العام، الذي تستخدمه بقية السيارات المارة، بحيث لا يسمح بمرور السيارات والمركبات المسرعة أمام بوابة المدرسة، في حين تعاني مدارس أخرى من فوضى عجيبة في تنظيم الحركة المرورية أمام بواباتها تلجئها في بعض المدارس لوضع حواجز مؤقتة على شكل أعمدة حديدية أو خشبية مثبتة في براميل إسمنتية مخجلة، بينما تظل بعض المدارس الأخرى في قوائم مطالبات مهملة بمطبات فحسب ترفعها الجهات الأهلية للجهات البلدية الرسمية، كما ذكر ذلك بعض مغردي المنطقة في تويتر. وهنا، من خلال استنساخ نموذج التصميم المناسب السابق الذي ربما فرضته طبيعة المدرسة التي لاحظتها وموقعها، يمكن حل جزء من تلك المشكلة المتعلقة بسلامة الطلاب والطالبات أثناء القدوم والمغادرة من وإلى المدرسة.

لكن إشكاليات الأمن والسلامة هنا ستظل في الحقيقة كبيرة وواسعة وهي أكبر من ذلك الإشكال السابق، فهي تشمل فيما تشمل حادثة سحب طالبة من عباءتها بعد نزولها من وسيلة المواصلات «ميكروا باص»، وحوادث سقوط الطلاب ضحايا في الطابور الصباحي من شدة البرد، وحوادث أمنهم وسلامتهم أثناء الحرائق والفيضانات، وحوادث شجار بعض الطلاب عند مدارس الأولاد «الثانوية والمتوسطة» خصوصاً، واستخدام بعضهم هنا للأسلحة البيضاء في تلك الشجارات، وحوادث التحرش الجنسي ومحاولات الاختطاف خصوصاً عند بعض مدارس البنات بل ومدارس الأولاد أيضاً، وحوادث التفحيط أثناء خروج الطلاب من مدارسهم والطالبات من مدارسهن، وأضف لذلك خطورة سقوط الطلاب والطالبات من سيارات الميكروا باص والباصات المكشوفة النوافذ وغير المؤمنة، خصوصاً تلك التي تنقل طلاب المرحلة الابتدائية أو ما دونها... الخ، وحدث هنا ولا حرج، فالقصة تبدأ هنا لكنها بالطبع لا تنتهي.

وهذا يكشف لنا هنا، أننا بحاجة لعدة خطوات ومهام وعدة إجراءات، تتكاتف فيها الجهود الشعبية والفردية مع الجهود الرسمية، بحيث تكون فيها الجهود الرسمية هي المحورية والجوهرية والرئيسية والجذرية، والجهود الشعبية هي التتمة والمكملة، لسد الفراغات ونقاط النقص.

إننا في جانبٍ من المأساة، بحاجة ماسة لدور إعلامي ثقافي دائم، يجب أن تشارك فيه أجهزة الإعلام باستمرار، بحيث يوجه جزء وافر منه لتوعية وإرشاد سائقي وسائل مواصلات الطلاب والطالبات، الذين لا يملك بعضهم، بل ربما الكثيرين منهم، خصوصاً المراهقين، أدنى «ثقافة سلامة عامة، وثقافة سلامة مرورية».

كما نتمنى هنا في سياقات حديثنا عن عمليات التوعية نفسها وضروراتها، أن يشارك المثقفون ورجال الدين جميعاً في هذا الدور، ضمن جهودهم الاجتماعية الخيرية والوطنية الهادفة المتفرقة، التي يجب أن تمتد لتمارس دورها هنا، على الأقل في ظل الوضع المتردي القائم.

وفي جانبٍ آخر هو الأهم، فنحن بحاجة ملحة لوجود جهاز رسمي مسؤول عن أمن وسلامة الطلاب والطالبات والمؤسسات التعليمية، فالقضية لم تعد تحتمل الحل التقليدي القديم الذي عفا عليه الزمن، وهو وجود «حارس مدرسة»، أو تحميل المعلم أعباء الأمن والسلامة، خصوصاً مع انتشار تلك المدارس الضخمة والمجمعات التعليمية التي تحتاج لحراسات أمنية متطورة، تعزز هيبتها وسلامتها وسلامة العاملين فيها، وقبل كل ذلك سلامة الطلاب والطالبات الدارسين فيها، القادمين إليها والمغادرين منها.

هذا هنا هو ما ننتظره من الأجهزة الرسمية، ونحن في الانتظار حتى إشعارٍ آخر... ونتمنى أن لا ننتظر طويلاً... وأن لا يصيبنا الإحباط ولا اليأس ولا أن نقع في الصدمة... فكلنا أملٌ في خيرات هذا الوطن الغالي وجهود الخيرين من أبنائه - وفقهم الله جميعاً لما يحبه ويرضاه -.

وفي النهاية، فلتنم تلك الأرواح الصغيرة الطاهرة، التي غادرت عالمنا هذا المليء بالمحن، في «سلام».