لاستعراض الموقع بشكل صحيح عليك الترقية لمتصفح إنترنت اكسبلورر 9 أو استخدام متصفحات اخرى مثل Chrome, FireFox, Safari

الحلم الجنائي

افترشا المائدة وجلسا متقابلين وكأنهما في مقابلة تلفزيونية.

بابتسامة خجلاء... حدّقت اليه بعين مليئة بالانوثة الرقيقة المتوهجة افتخارا بزوجها الكاتب الذي غطت سمعته ومكانته ارجاء المجتمع وقدّم الكثير لأجل بناء مجتمع متكامل من خلال كتاباته ورواياته وقصصه.

- سألته: ما آخر كتاباتك يا عزيز قلبي؟ وقد غمزت اليه برموشها الطويلة ومازالت ابتسامتها متوقدة.

- ابتسم في وجل وفي يده ملعقة حساء بالخضار وبعد تناولها اجابها بكل هدوء وثقة وقد احمرت شفتيه من حرارة الحساء: انا الآن اكتب رواية بعنوان «السلام والغضب» وهذه الرواية...

- قاطعته وعلامات التعجب اكتست وجهها: ما سر هذه التسمية؟ وهي تنظر اليه بتمعن

- اعلم انك ستسألين هذا السؤال واردت اكمال الجواب لكن فضولك منعك من سماع الجواب.. تبسم واسرع قائلاً وقد رفع يده ناحية حلمة اذنه يحركها وكأنه ينتقي كلماته: اذا انتزع السلام من امن المواطن البريئ وانتزعت ارادته المستحقة له وانتزع ما يدل على انسانيتة التي اقرّها المولى عز وجل فإنه حتما سيغضب وأن السلام دون الشعوب وهم في وهم وعلى جميع الحكام في العالم ان يبنوا شعوباً راضية لقراراتهم لانهم اساس السلطة وعندما تغضب الشعوب سيفقد السلام سلميته.

- امممم هل ترى يا زوجي انك اسرفت في التوصيف بهذا العنوان؟ وهي تعلم انه محق لكنها ارادت اختبار ثقته.

اعتدل في جلسته ونصب ظهره وقال لها سأجيبك بعد الانتهاء من وجبة العشاء لكي لا تبرد لذته فاتحسر على الجواب، ضحكت بصوتها الناعم الجميل الذي تضحك معه بلاسم القلب واوردة الحياة واعتدلت هي كذلك.

بعد العشاء اعدت الزوجة كأس الشاي بالنعناع الذي يفضله دائماً بعد كل وجبه والنعناع له من الفوائد في تنشيط الدورة الدموية والتخلص من السموم التي تغزوا الجسم.

جلسا جنباً الى جنب وحيث هذا الجلوس يعطي الكثير من الاستقرار للنساء التي تشعر بالراحة عندما يقترب منها زوجها فالكثير من الدراسات اثبتت ان وجود الزوج بجانب زوجته يعطيها موجات علاجية لتخفيض الضغط وعمل توازن في بناء الجسم.

- قال: لم ابالغ يا حبيبتي... فالشعوب الباحثة عن الحرية مهما نالت من اموال ورغد العيش وبناء المنازل وحتى لو توشحت بالذهب فإنها لن ترضى على الظلم ولن تكمم افواهها ملصقات ورقية ملونة مدى الحياة لابد للشباب وغيرها من يوم غضب سيبدد الاستكبار ولن يرضخ للسكوت والاستهانة وهذا ما رأيناه جلياً في ثورة الغضب في بلد الفراعنة بأرض الكنانة وايضا نلاحظ الدول الاوربية او منطقة اليورو تنهار اقتصاديا على ان شعوبها لديها من الحريات مالديها وايضا في امريكا الشعوب التي تطالب بإحتلال وول ستريت لم ترضخ وتستسلم لرغد العيش بل تطالب بالعدل والمساواة الحقيقية.

- نعم فهمت عليك الآن... لكن ما هو الحل يا زوجي؟

- احسنت على هذا السؤال يا حبي الابدي.. الحل يكمن في الاسلام الاصيل حيث شرع الاسلام للفرد حريته وشرع له كل ما يزين حياته ويكفل الحفاظ على كرامته فهذه الدول تخلت عن الاسلام بداعي انه يخنق الحريات وخصوصا المرأة لهذا نرى المرأة في الغرب اصبحت كسلعة للملذات لا تملك انوثتها بيدها والعجيب ان الاسلام جاء ايضا بإقتصاد لا يقبل الانهيار مدى الحياة إذا طُبق بشكل سليم لهذا نرى الدول التي تطبق الاسلام الحنيف اقتصادها ثابت وراسخ.

- جميل كلامك يا وردة حياتي وبلسمها... طيب وما فائدة هذه الروايات في هذه الفكرة؟ طرحت سؤالها وشعرت بالخجل في وجنتيها

- نعم نعم اسمعي ايتها الامل الوحيد في حياتي ان هذه الروايات ترجع بالفائدة على المجتمع وكيف لا تكون لها تأثير؟!! وهي تُنقل احداث في أروقة المجتمعات وتظهرها بأسلوب ادبي له طابعه الخاص وكيف لا يكون لها تأثير ونرى ان الكثير من الروائيين تعرضوا للسجن والنفي من أرضهم لأنهم تكلموا بالحق وهناك من بروايته غير بعض الانظمة واصبحت منطلقا للثوار، ان هذه الروايات والقصص والاشعار والكتابات لها فائدتها لكونها المتنفس للفقراء والمعوزين والمظلومين حيث اخذ الادباء على عاتقهم نقل صوت هؤلاء للعالم ليتعايشوا معهم اللحظة بلحظتها.

ساد المكان موجة صمت رهيبة وكأن ملك من السماء قد مر بجانبهم.

- قال لها: هل دونتي اسمك في صناديق الاقتراع؟

- نعم سجّلت اسمي وسأختار شخصية أراها قادرة على تولي هذا المنصب.

- فأسرع اليها قائلا بعد احتساء كوب الشاي ومن هو؟

- هزت رأسها مبتسمة لن اقول لك لكي لا تؤثر في رأيي واعدل عنه بناءا على رغباتك.

- ضحك بهجولة كبيرة وقال ونعم المرأة المكافحة المجاهدة... قلت اختبرها كما اختبرتني.

في اليوم التالي استعدوا للخروج وقبل الخروج ناداها: زوجتي الحبيبة لا تنسي اثباتاتك وجهزي بعض المأكولات الخفيفة لانه قد يطول بنا وقت الاقتراع.

- حاضر يا زوجي الحبيب لا تقلق فأنا عند كل توقعاتك.

خرجوا وكل روابط الثقة تحفهم والسعادة على اساريرهم واضحة كالشمس في كبد السماء وكإشراقة القمر في منتصف الشهر وقد ركنت يدها في يده.

انطلقوا في ردهات الشوارع وكانت اعينهم تتحسس كل الاجواء من صور المرشحين للانتخابات البرلمانية تكتسح الطرقات والارصفة والإنارات فبعض المرشحين بأبتسامة خجلاء لا نعلم ما خلفها من خطط استراتيجية تنهض بالبلد نحو الرقي والازدهار أو اضمحلال قواه في درك السافلين.

والبعض رفع علامة النصر وكأنه في حرب البسوس إما النصر أو الموت كما جاء في إعلاناته التجارية.

وهناك من اضحك الزوجين حيث قال في إعلانه أنه سيهتم بالعازبين والعازبات وسيقضي على البطالة وسيعاقب من يتخذ الواسطة مسلكاً له، فقال الزوج لزوجته: هل تعرفين من هذا؟ قالت: قرأت عنه انه صاحب منصب وغالبية الموظفين الذين في دائرته من أقاربه، ابتسم ابتسامة الفخر وقال: احبك يا زوجتي، فتجمدت حمرة دائرية على خديها وطأطأت برأسها وشبكت بين يديها الناعمتين.

وصلوا لمركز الاقتراع وشاهدوا جموع المواطنين من كبار وشباب في صفوف واغادير طويلة وكأنهم ينتظرون امام محلاً تجارياً، افترق الزوجين فذهبت الزوجة للمكان المخصص للنساء فانتقر مكانا خلف رجل عجوز طاعن في السن مفرطح الشفاه وفروت رأسه اصفرت من الشعر كالصحراء الهامدة التي اختفى فيها الماء وتجاعيد وجه المتدلية وسواد عينيه الجاحظتين وعكازه المعكوف، وبتملق وتطفل اقترب كاتبنا الكريم وسأل سؤاله هازءا.. والدنا العزيز: ماذا تفعل في هذا المكان؟

- لم يعيره اي انتباه وكأنه لم يسمعه ورفع الشيب يده ناحية حاجبه ورفعهم لأعلى قليلاً.

- اقترب منه ملياً وأعاد السؤال تعنتاً وكانه يريد الانتصار مهما كلفه الامر وبصوته الذي اضاف عليه الرعونة والخشونة وباعتقاد منه ان الشيب خرف لم يعد قادرا على السماع في هذا السن الطاعن.

- بتقطيب الحاجبين وغضب بان على تجاعيد وجهه قال العجوز: كدت ان تتلف صيوان اذني.

- بخجل واستحياء تراجع القهقرى ووقف كالعامود الخشبي.

- وبعد لحظات قليلة التفت الشيب العجوز: لا تعتقد يا ولدي ان هذا الشيب غير قادر على المعرفة ولا تعتقد اني جئت هنا لمجرد التسلية او...

- قاطعه وقال معذرة يا والدي الكريم انا لم اقصد فيما رحت إليه.

- فأسرع العجوز وقال: دعني اكمل حديثي وانا قرأت لك رواية «حلم السنين» فانت كاتب كبير.

تدلت على جبهته المربعة قطرات من العرق وشعر ان ماءا باردا تدفق من قماقم رأسه وتجمعت كرياته الحمراء في وجهه ولم يعد قادرا على الجواب.

- فأكمل العجوز: انا اعلم بانك لا تقصد ما تقوله فأنا جئت هنا يا ولدي لكي اساهم في بناء مجتمعي واختار من يمثل صوتنا في البرلمان ومن لديه القدرة على اسكات اجربة الفقراء الجائعة ومن لديه القدرة على برمجة زهور شبابنا ونريد بناء مجتمع متكامل مثالي قادر على انتاج ما يقوي الأمة.

- فأردف قائلا: ارجو المعذرة يا والدنا للمرة الثانية وصحيح ما قلته اننا بحاجة لمثل هذه الشخصية الكبيرة ونحن جميعنا محتاجين لكل هذا. ونظر الزوج للعجوز ورآه مبتسما

- وقال العجوز: انظر للداخل وشاهد ممثلي المرشحين كيف هم في انبل وازهى حلة وكيف يريدون استقطاب الاصوات لينال مرشحهم بطاقة العبور ان هذه الاجواء هي الديمقراطية الحقيقية التي نتمنى كل دول العالم تحذوا حذوها.. سكت العجوز ليأخذ نفسا عميقا وقال: هل لديك رواية اخرى؟

- ضحك.. نعم وستكون اول من ينال على النسخة بعد الانتهاء من طباعتها.

- هز الشيب العجوز رأسه وقال: يبدو هذه النسخة اعتذار للمرة الثالثة.

- تبسم وقال: انك شيب عجوز لكن قلبك شباب فتي القوى

و انطلقوا نحو صناديق الاقتراع نحو الامل نحو الحرية نحو تجديد الدماء.

جلس الزوج من نومه مفزوعاً مرتجف الجسد والعرق يتقاطر على جبهته، تناول كأس الماء، جلست زوجته مذعوره خائفة ماذا حلّ بك يا زوجي العزيز؟

- اخذ شهيقا عميقا ونظر لسماء الغرفة وقال حلم افزعني حلم مخيف.. لا لا لا ما هذا الحلم؟ امسك بكتفي زوجته بيديه الكبيرتين وقال زوجتي اني احتاج لحنانك ولقربك مني في كل اللحظات العصيبة لم احلم في حياتي بمثل هذا الحلم المرعب الرهيب.

- وهالتها لحظات تعجب ودموع عينيها انسابت بهدوء على خديها دون أن تدرك ما يجري هنا.

- نظر اليها وعينها في عينه وحضنها بكل قوة كما يحضن الطفل أمه.

نهض من سريره واستعد للخروج بعد ان اخذ حماماّ دافئا وتناول حقيبته التي لا تفارقه حيث كتاباته وقلمه المطيع ومازالت آثار الحلم تهز كيانه وتأرق مضجعه وتجعله في رجفة متقطعه.

ودع زوجته وقال لها بلهجة المسافر.. انتظريني على الغداء فأنا احب الجلوس بالقرب منك لأنك مودع اسراري والوحيدة التي تفهم ما تقوله احاسيسي ومشاعري.

- ابتسمت وقالت سأعد لك وجبة غداء يحبها قلبك الرائع.

استدار وفتح مقبض الباب وشعر بيده ترتجف قليلا وقلبه ينبض متسارعاً.. تراجع عن فتح الباب وجاءت زوجته مهرولة والخوف يسبقها وشعرت أن هناك خطب ما حدث له ووضعت يدها على كتفه ماذا دهاك؟ لا تذهب اليوم للصحيفة ارتاح فأنا أشعر أنّك مرهق..

اغمض عينيه ووضع يده على مقبض الباب لا تقلقي يا زوجتي فأنا بخير وصحة مجرد أوهام طرأت على مخيلتي، خرج بعد أن هدأت سرائره وزوجته بالداخل تنظر بقلبها إلى زوجها واحساسها الخائف مازال يرقد في جنباتها.

اقترب من مركبته وألقى بنفسه على مقعدها الامامي استعدادا للإنطلاق وبينما هو سارح في أفكاره التي رحلت لعوالم لا بداية ولا نهاية لها واذا بشخص يطرق النافذة...

نظر اليه وقطب حاجبيه وباستغراب فتحها وخالجه خوف من اشكالهم فلقد كانوا رجلين بلباس مدني.

- قال وصوته يرتجف تفضلوا.. أي خدمة؟

- اجاب احدهم: معاك أمن الدولة..

- كح قليلاً وخاطب نفسه ما علاقة أمن الدولة فأنا لم أكتب ما يخالف القوانين وكل كتاباتي معرضة للنقد وللرقيب الاداري فتح عينيه وكأنه رأى امامه منكر ونكير يسألانه، بلع ريقه الذي جف من هول المنظر،،، ماذا تريدون؟

- اجاب الشخص الآخر وبكل غلظة وجفاء: انت متهم..

- نعم نعم ماذا؟.. وماهي تهمتي؟

- انت ليلة امس حلمت ان هناك انتخابات برلمانية وهذا مخالف للقوانين والأنظمة.

هذه القصة من ضمن القصص التي ألّفتها في مجموعتي القصصية «أحلام ساخنة»