لاستعراض الموقع بشكل صحيح عليك الترقية لمتصفح إنترنت اكسبلورر 9 أو استخدام متصفحات اخرى مثل Chrome, FireFox, Safari

ماذا تريد السعودية من الأزهر؟

كثافة الزيارات المبرمجة لشخصيات دينية سعودية الى مشيخة الأزهر بعد الثورة تشي بدينامية من نوع ما، لا تمت بصلة الى مبادئ الاعتدال والانفتاح والتسامح، إذ لا أثر سابقاً في مراجعة فكرية أو فقهية سلفيةّ تؤصّل لتحوّل جوهري في النظرة إزاء الآخر، والأزهر على وجه الخصوص.. لم يصدر عن المؤسسة الدينية الرسمية في السعودية في هيئاتها العليا والدنيا ما يفيد بتخل عن الذات السلفية التنزيهية أو توافق مع الفعل الانفتاحي.. سوى، بطبيعة الحال، حفلة المجاملات الممجوجة.

بدا كما لو أن ثورة «25 يناير» 2012 في مصر أبطلت المناعة الذاتية التي كانت تتمتع بها مؤسسات عريقة، كانت حتى في ظل جبروت الاستبداد السياسي عصيّة على الخضوع والمقايضات الهابطة، ومن بينها مؤسسة الأزهر التي مثلت أحد استهدافات الثورة المضادة، رغم قدم المحاولات التي قامت بها أحزاب دينية في مصر لجهة إرساء وجود تنظيمي وفكري داخل البنية الطلابية والعالمية الأزهرية منذ العام 2007.

ثمة عوامل ساعدت السعودية على الدخول الى حرم الأزهر، من بينها: وجود عدد من علماء الأزهر في الجامعات السعـودية وخـضوعهم تحـت تأثير المنهج السلفي، تسامح الأزهر إزاء نشاط التيار السلفي داخل الأزهر، حيث شكّل «جماعة النور» الطلابية، وأصبح له حصة وازنة في هيئة التدريس الأزهرية، يضاف الى ذلك عامل النشر للكتب السلفية، فشهرة كتب الشيخين إبن تيمـية وإبن القيم في المجال العلمي الأزهري، تكاد تفوق شهرة كتب أتباع الإمام الشافعي أو الإمامين الأشعري والماتريدي.

إن ما هو بيّن لنا اليوم، أن الانفتاح على الأزهر لا يعكس تحوّلاً في العقل السياسي أو الديني السعودي، فهو أشبه ما يكون بالمنطيق، على حد نيتشه، الذي يحاول تقليد غريمه في كل شيء، في محاولة لشّله عن الحركة، وهو ما تحاول السعودية، عبر انفتاحها على الأزهر، لجهة تبديل هويته وتاريخه وخطابه وأهدافه.. شيء واحد أثبتته السعودية، كما أثبت سقراط لنيتشه، أنها تملك قدرة فريدة على الفتنة.. هي تتجه نحو الرمز لتقحمه في لعبها مع خصومها.

في 9 تشرين الأول 2011، استقبل شيخ الأزهر أحمد الطيب وزير الأوقاف السعودي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، وما لفت في ختام اللقاء مفردات غير معهودة وردت في بيان منسوب الى مشيخة الأزهر. فقد أعلن رئيس المكتب الفني لشيخ الأزهر، حسن الشافعي، أنه تمّ «التفاهم بين علماء أهل السنة لتقوية الموقف الإسلامي، وخاصةً بين أهل السنة والجماعة، والتصدي لأية محاولاتٍ تهدف إلى المساس بالمجتمعات الإسلامية السنية تحت أي شعارٍ مخالف». تكرار مفردة «السنّة» بطريقة تغذي ذعراً مفتعلاً، نبّه الى بعض صوره عالم الاجتماع المصري سعد الدين ابراهيم في مقالته «لماذا يتصرف المسلمون السنّة كأنهم أقلية مذعورة؟» نشر في صحيفة «الراية» القطرية، بتاريخ 17 آذار 2007. ولكن بالنسبة للطرف السلفي السعودي، تستهدف المفردة قطيعة مع الآخر، وقطعاً مع الماضي الأزهري التقريبي، وشحن غريزة «المصارعة» في المجال الإسلامي.

وبخلاف المواقف الأكثر شيوعاً للسلفية السعودية من الأزهر، صرحاً ونهجاً، فإن الوزير آل الشيخ لم يتلعثم وهو يبوح بنقيض خلفيته العقدية بأن «السعودية وعلماءها ينظرون إلى الأزهر على أنه المرجعية الإسلامية الشامخة، وأن رمزية الأزهر لأهل السنة والجماعة لا تقبل المساس أو المزايدة على المستوى الديني والسياسي..»، ولم يغفل تمرير عبارات ذات دلالات خاصة مبيّتة حول دور الشيخ الأزهري في دعم الاسلام السنّي.

في اللقاء الذي جمع شيخ الأزهر وراشد الزهراني، مدير الأكاديمية الإسلامية الحقوقية بالسعودية، في 10 شباط الجاري شدّد الطيب على «وجوب الاهتمام بتوحيد صفوف أهل السنة والجماعة حفاظاً على وحدة الأمة من كل ما يمزق نسيجها، ويشتت شملها». وشدّد الزهراني على مرجعية الأزهر وأنها قلعة «يأوي اليها جمع المسلمين في أنحاء العالم، وفتاواهم وعلومهم مقدّرة عند أهل السنة والجماعة في كل مكان».

ما يطفو على السطح ليس كما يضمره القاع، فثمة إطراء سعودي ماكر محفوف بخديعة الاحتواء والاختراق لمؤسسة الأزهر والعبث بمنظومة إعداداته التاريخية والمعرفية.. ليس بريئاً ترديد المشايخ والمسؤولين السعوديين لمقولة أن الأزهر هو «المرجعية العليا للمسلمين السنّة»، فيما الأدبيات السلفية تضجّ بعبارات مناقضة لها تماماً. ومن المؤّكد أن ليس لهذا الإطراء طابع تقويمي، فـضلاً عن أن يكون له هدف معياري، فهو ينزع نحو فتـح الطـريق المغلق بين خصمين لدودين. فشيخ الأزهر أحمد الطيب لم يكن على وفاق عقدي مع السـلفية السعـودية، ولديه أفكار تحررية يحاربها أنصـار الدعوة السـلفية، منها نقاب المرأة الذي ينظر إليه بوصفه عادة وليست عبادة. ويرى الطيب أن السلفيين متطرّفون فكرياً، بل له تصريح مشهور بأن «السلفيين الجدد هم خوارج العـصر»، وقال بأن جمـهور المسـمين لم يكونوا على مذهب السلفية، وأن من يعتبر بطلان الصلاة في مساجد فيها أضرحة، أو يجب هدم القبور، وتقصير الثياب، هم ليسوا من السلف بل هم من «غلاة الحنابلة»، ووصفهم بالتساهل بالتكفير، والتجسيم، وهما «أهم صفتين في هذا المذهب»، ويقصد به من عهد الشيخ إبن تيمية وحتى عصرنا الحاضر.

لا ريب، أن ثمة محاولات كيدية تنزع نحو إعادة تشكيل الأزهر اليوم، محثوثة بنيّة محو ذاكرته التقريبية، حين كان مأوى عالي الكفاءة لمشروع التقريب بين المذاهب الإسلامية. تتجلى هنا لحظة حنين الى الحقبة الزاهرة في مشروع التقريب بين المذاهب الإسلامية السبعة حيث شهدت زخماً معرفياً باهراً، فيما كانت مصّنفات علماء السنة والشيعة والأباضية تزخم الوعي والذاكرة الجمعية للأمة.

ثمة أوضاع جديدة شهدتها مصر عكست نفسها على مؤسسة الأزهر.. فحين تتبدّل اللهجة السعودية الاعلامية والدينية والسياسية حيال هذا الصرح، وبصورة مفاجئة، فلا بد أن ثمة دسيسة في مكان ما.

مجلة «الأزهر» التي صدرت منذ العام 1938 وكانت تبشّر بثقافة التسامح الديني، وتؤكّد مبدأ الحوار، وحق الاجتهاد، وتنأى عن كل ما يشجع على الكراهية بدأت في الآونة الأخيرة، ولأسباب قد تبدو في السياسة والمصالح الخاصة مفهومة ولكن في الدين وتاريخ الأزهر مستهجنة، بإعادة نشر كتب في المطارحات المذهبية شاعت في الثمانينيات من القرن الماضي. على سبيل المثال، أعادت المجلة نشر كتاب «الخطوط العريضة لدين الشيعة» لمحب الدين الخطيب، وهو كتاب طبع في الخمسينيات من القرن الماضي، وكتاب أبو الحسن الندوي «صورتان متضّادتان»، وآخر بعنوان «الشيعة والأزهر»، وتمّ توزيعها مجّاناً. يضاف الى ذلك مقالات صاخبة كتبها رئيس تحرير مجلة «الأزهر» محمد عمارة، ونشر بعضها في صحيفة «الاهرام»، بمضمون فتنوي موتور.

ومن أي زاوية نظرت الى هذه الكتابات، فإنها لا تستهدف إعادة اكتشاف الآخر، بقدر ما هي نزوع نحو التحريض عليه.. هي تنتمي الى التراث السجالي المتراكم منذ أول حلقة مناظرة مذهبية جرت في القرن الخامس الهجري بين الشريف المرتضى الشيعي والقاضي عبد الجبار المعتزلي، مروراً بالردود المتبادلة بين الشيخ الحلي والشيخ إبن تيمية في القرن السابع الهجري، وصولاً الى القرن العشرين مع عبد الله القصيمي «السلفي ابتداءً، الملحد ختاماً» والشيخ علي ابو الحسن الخنيزي.. إعادة نشر مثل هذه الكتب لا ينفك عن الأهداف السقيمة التي أبقت الأمة بكل أطيافها في حالة فراغ معرفي وحضاري.. لقد نضبت أغراض المطاحنات المذهبية، لأنها أوصلت الى حلقة مفرغة، وأن الكتب التي يعاد نشرها اليوم قد دخلت منذ أمد بعيد في دورة السجال المذهبي، وإن إعادة إحيائها بمثابة تجييف الجيفة.

إن إعادة إنتاج العقل السجالي المأزوم الذي يقوم على تبرئة الذات وإدانة الآخر أثبتت بعد قرون طويلة أنها ليست سوى ملهاة فارغة، وتؤكّد الحاجة الى منهج نقدي جديد يقوم على المراجعة الذاتية وتنقية الأجواء بدلاً من تلبيدها.. كل تراث المسلمين بكل طوائفهم مرتع لخصومات طاحنة، وصالح لفتح معارك مفتوحة، وليس هنا البطولة.. الأمة تبحث عمّن يوحّدها، لأن الانقسام بات للأسف خاصية عربية.

نائب رئيس الدعوة السلفية في مصر اعتبر إلغاء تأشيرة دخول المصريين لإيران محاولة «للغزو الشيعي».. إنه شكل جديد.. غزو يأتي إليك.

السفير اللبنانية
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
مشكور
6 / 3 / 2013م - 12:14 م
من يبيع مبأدئيه بالدولار فهو للهاوية وهذ فكر ودولار لايدخل بلد إلا وفرق اهله ودمر بلده وارجعها إلى العصور اظلامية وعليكم مراجعة لكل البلادان التي تسأهلت مع هذا الفكر ماذ اصابها واين هي اليوم؟؟؟