لاستعراض الموقع بشكل صحيح عليك الترقية لمتصفح إنترنت اكسبلورر 9 أو استخدام متصفحات اخرى مثل Chrome, FireFox, Safari

فوضى الإفتاء... من يوقفها؟

تناقلت صحف عربية وعالمية الفتوى التي أطلقها الأستاذ في جامعة الأزهر محمد شعبان، والتي أباح فيها قتل المتظاهرين ضد الرئيس مرسي باعتبارهم خارجين على الدولة وعلى الحاكم المسلم وأنهم مثيرو فتنة!

وقد أحدثت هذه الفتوى أصداء كبيرة واستغلها الكثيرون في الإساءة للإسلام، ووصفه بـ «دين الإرهاب»، وأنها من الفتاوى المحرّضة على القتل. بل إن البعض أكد أن مقتل شاكر بلعيد في تونس كان بسبب هذه الفتوى! ومع أن علماء كثراً أكّدوا أن هذه الفتوى لا تمتُّ للإسلام بصلة، إلا أن البعض مازال يصرّ على أنها تمثل جزءاً من الفكر الإسلامي الذي يصفونه بـ «التطرف».

فوضى الفتاوى ليست جديدة على المجتمع الإسلامي، وهي ليست كذلك على الفكر المسيحي قبل الثورة الفرنسية، وهذه الفوضى لها أسباب متعددة، منها السياسي ومنها المادي، ومنها النية الطيبة، ولكن هذه الأسباب مجتمعة لا تبرّر مطلقاً تجرؤ البعض على إطلاق فتاوى لا علاقة لها بفقه الإسلام، وقد تسيء إليه في بعض الحالات.

أفتى بعضهم بأن الحاكم لا ذنب عليه مهما فعل، لأنه ظلّ الله على الأرض!

وأفتى بائع باذنجان أن الرسول الكريم أوصى بأكله! وأفتى الحجّاج لنفسه بصحة أخذ الجزية على النصارى الذين أسلموا لأنهم لم يسلموا صادقين!

وفي أيامنا هذه انتشرت فوضى الإفتاء، وأصبح الكثيرون يرون في أنفسهم قدرةً على الإفتاء، ما جعل فتواهم تنعكس سلباً على مجتمعهم ودينهم، فهناك من أفتى بهدم كل الآثار مثل الأهرام وأبي الهول، ومعبد بوذا في أفغانستان، وبعض قبور الصحابة والصالحين ومن في حكمهم، وقد استغل البعض هذه الفتاوى في غزو أفغانستان ومالي كما استغلت في تشويه الإسلام.

بعض هذه الآثار كانت موجودةً في عهد عمر بن الخطاب وعمر بن عبدالعزيز، ولم يأمرا بهدمها، فهل الذين أفتوا بهدمها أكثر منهم إخلاصاً لدينهم؟ الآثار جزء من تاريخنا وحضارتنا، يجب المحافظة عليها والتوعية - وحدها - تجعل التعامل معها يتفق مع مبادئ الإسلام.

وأفتى آخر: أنه لا يصح للبنت أن تختلي مع والدها الشاب لأنه قد يشتهيها! وإذا كان هذا المفتي قد اعتمد على بعض الحالات الشاذة في فتواه، فإن تعميمها منافٍ للعقل والخلق، كما أنه منافٍ لطبيعة العلاقة التي بين الأب وابنته.

وهذه الفتوى كما أساءت لمفتيها، فإنها أساءت بشكلٍ أكبر للإسلام وأهله.

كما قلت: فإن فوضى الإفتاء عمّت بلادنا الإسلامية، ولو أن هؤلاء فهموا قول الرسول الكريم: «أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النار»، لتوقفوا كثيراً وتركوا الأمر لأهله، لكن أكثرهم لا يعقلون.

فتاوى استباحة الدماء من أخطر أنواع الفتاوى وأشدها تفريقاً للمجتمع المسلم، فالإسلام جعل قتل مسلم واحد مثل قتل جميع المسلمين، كما أنه حرّم قتل من يخرج على الحاكم وجعل كل ذلك من اختصاص القضاء. إن هذا النوع من الفتاوى يعد إهداراً لقيم التسامح وخروجاً على قواعد العيش المشترك بين جميع فئات الشعب، كما أن التعبير عن الرأي في مظاهرة سلمية لا تعد خروجاً على الحاكم، وبالتالي فإن فتاوى إيذاء المتظاهرين بأي نوع لا يعد من الإسلام في شيء!

الفتوى التي انطلقت من مصر أساءت إلى التيار الإسلامي، كما أنها فتحت الباب واسعاً لكل من أراد اتهام المسلمين بالإرهاب والفوضى وقتل خصومهم السياسيين، لكن الجميل أن مجموعةً كبيرةً من علماء الأزهر أكّدوا أنها ليست شرعية، وأن المفتي استخدم النصوص في غير مكانها.

المفتي الحقيقي يجب أن يكون حذراً ودقيقاً في كل كلمة يقولها، أما الذي يفتي من أجل المال أو الجاه، فهذا له شأن آخر فهو يعطي بقدر ما يأخذ!

الوسط البحرينية
أكاديمي وكاتب صحفي في عكاظ ،الشرق القطرية، الوسط البحرينية، الأنباء الكويتية، ولي اهتمامات بالقضايا الفكرية والسياسية والأدبية وعضو في الهيئة العالمية الإسلامية