لاستعراض الموقع بشكل صحيح عليك الترقية لمتصفح إنترنت اكسبلورر 9 أو استخدام متصفحات اخرى مثل Chrome, FireFox, Safari

الاسلام السياسي السعودي السني «3»

تاسست حركة الإخوان المسلمين في مصر عام1928م. لكن سرعان ما انتشر فكرها في ارجاء مختلفة من العالم، ووصلت الآن، إلى 72 دولة تضم كل الدول العربية ودولاً إسلامية وغير إسلامية في القارات الست[1] . يبدوا ان المحاولات المبكرة والمكثفة من قبل حركة الاخوان، وفي مقدمهم زعيم الحركة، بأن تكون السعودية محطة لهم، يعطي انطباعا بأن المملكة لها موقعية خاصة لدى الاخوان، أكثر من اي بلد آخر. مضافا الى ان هذا الاختيار لم يكن عبثيا، نظرا لما تمثله المملكة من مكانة هامة آنذاك. ولاعتبارات كثيرة لدى الاخوان المسلمين، ولعل ابرزها المكانة الروحية والجغرافية، أصبحت المملكة في نظرهم من بين أهم الدول الاسلامية التي تواجدوا فيها مبكرا.

ويرجع اهتمام الاخوان بالمملكة العربية السعودية الى زمن طويل، وتحديدا الى بدايات تأسيس حركتهم. لذا ابدى حسن البنا في أواخر العشرينات، أبان حكم الملك عبد العزيز بن ال سعود، اهتماما متزايدا بذلك البلد، وكان يفد الى الديار المقدسة كل سنة تقريبا لاداء فريضة الحج[2] . وقد استغل تلك الرحلات في تعزيز روابطه بأعيان الحجاز الذين أكدوا دعمهم له[3] . لكن هذا الدعم لم يكن يعني أن السلطات السعودية كانت تحبذ استقرار الحركة في المملكة. واستنادا الى رواية مشهورة، طلب حسن البنا من الملك عبد العزيز في تشرين الأول/أكتوبر 1946، عندما بدأت حركة الاخوان المسلمين بالانتشار في اغلب بلدان الشرق الاوسط، طلب السماح بتأسيس فرع للتنظيم في المملكة العربية السعودية. وبما أن هذا الطلب يمثل انتهاكا لحظر مزاولة الاحزاب السياسية المفروض في المملكة، رفض الملك السعودي فورا طلبه، وذكر أنه قال له: «كلنا إخوان مسلمين» [4] .

بيد أن رغبة الاخوان في بناء وجود لهم في المملكة، قد افصح عنها مؤسس الاخوان قبل لقائه بالملك عبد العزيز، ففي كتابه «مذكرات الدعوة والداعية» يذكر حسن البنا «1928 - 1949»، ان الملك عبد العزيز آل سعود أوفد عام 1928م مستشاره فضيلة الاستاذ حافظ وهبة الى القاهرة بغرض انتداب بعض المدرسين من وزارة المعارف الى الحجاز ليقوموا بالتدريس في معاهدها الناشئة. وفي6 نوفمبر سنة 1928، اي بداية تأسيس الحركة، التقى حسن البنا مع الشيخ وهبة للإتفاق على السفر وشروط الخدمة للتدريس في المعهد السعودي بمكة.

وكان أهم شرطٍ وضعه البنا أمام الشيخ حافظ ألا يكون موظفاً يتلقى مجرد تعليمات لتنفيذها، بل صاحب فكرة يعمل على أن تجد مجالها الصالح في دولة ناشئة هي أمل من آمال الإسلام والمسلمين، وشعارها العمل بكتاب الله وسنة رسوله وتحري سيرة السلف الصالح[5] . لأسباب عدة ربما ابرزها اشتراط البنا بأن لا يكون مجرد موظف يتلقى تعليمات لتنفيذها، تعثر هذا المشروع، واستمرّ البنّا مدرّساً في الإسماعيلية التي أنشأ فيها "جماعة الإخوان المسلمين.

التحديث فرصة النفوذ

ولكن مساعي الاخوان لم تتوقف للوصول الى المملكة، ومن حسن حظهم ان رغبتهم الجامحة في إيجاد موطئ قدم لهم في المملكة، تزامنت مع رغبة الملك عبد العزيز الملحة في ضرورة تحديث البلاد والانهاض بها، من خلال بوابة التعليم والبعثات العلمية[6] . وبالفعل استقطب الملك عبد العزيز آنذاك الكثير من العقول العربية لمساعدته على بناء الدولة الحديثة، كعبدالله سعيد الدملوجي، ورشيد عالي الكيلاني، وموفّق الألوسي، من العراف. ومن سوريا: يوسف ياسين، وخير الدين الزركلي، وخالد الحكيم، ورشاد فرعون. ومن مصر: حافظ وهبة واعضاء في الاخوان. ومن فلسطين: رشدي ملحس. ومن لبنان: فؤاد حمزة. ومن ليبيا: بشير السعداوي، وخالد القرقني، وغيرهم كثيرٌ.

لاريب أن عملية التحديث التي كانت تنشدها المملكة في عهد الملك عبد العزيز، مثلت الفرصة الذهبية الامثل للاخوان، والتي من خلالها نفذوا الى المملكة، وبدوأ يباشروا عملهم الدعوي والتنظيمي، وان كان بصورة سرية وغير رسمية، وذلك عبر التعليم في المدارس والجامعات. كما ان الاجراءات القمعية الاولى التي قام بها عبد الناصر سنة 1954في مصر اجبرت كثير من اعضاء الاخوان للهجرة الى دول الخليج التي صارت ملاذا آمنا لهم، وبخاصة المملكة التي وصل بها الأمر إلى حد منح بعض من هؤلاء الاعضاء الجنسية السعودية[7] . وكانت السعودية قد بنت خلال سنواتٍ طوالٍ علاقةً قويةً مع الإخوان المسلمين كأفرادٍ وليس كتنظيمٍ، فاستقدمت الآلاف من قياداتهم وأفرادهم، ولم تكتف بإيوائهم بل سعت لتوفير الحياة الكريمة لهم ودعمتهم بشتى أنواع الدعم، فتولّوا مناصب حسّاسةٍ وحصل عددٌ منهم على الجنسية السعودية وبعضهم حظي بالجواز الديبلوماسي.

وهناك من أشار إلى وجود صلةٍ بين الوجود القوي للإخوان المسلمين في الجامعات السعودية وظهور قادةٍ جددٍ للإخوان، مما مكنهم من القدرة التعبوية للجماعات الإخوانية في الجامعات السعودية، وتحديداً في جامعتي الملك سعود، والبترول والمعادن سابقاً. وينقل عن أحد المنظمّين السابقين لحركة الإخوان المسلمين «قسم البحرين» قوله: "لقد تمّ تنظيمي عن طريق خلايا الحركة التي كانت منتشرةً في حقبة السبعينات في الجامعات السعودية، ولقد كنّا نخضع فيها لاختبار في قدرات التحمّل. وكان يطلب منّا الخروج في ليالي الرياض الباردة بملابس داخليةٍ. إلا أننا كثيراً ما ندخل دورات فكرية مختلطة الجنسيات من عرب الشام ومصر من المقيمين في المملكة العربية السعودية، أو من أساتذة جامعاتها المحسوبين على حركة الإخوان المسلمين من العرب الوافدين وقلةٍ قليلةٍ من السعوديين[8] .

وبعد رحيل الرئيس عبد الناصر، وحدوث تقارب بين خلفه الرئيس أنور السادات والملك فيصل بن عبد العزيز، سعى فيصل لإحداث تقارب بين الإخوان والسادات. وسيطر المنتمون للإخوان المسلمين على المناحي التعليمية في الجامعات تحديدا في عقد الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، وكذلك على المنابر الإعلامية خاصة في فترة حكم الملك فيصل في السعودية.

الانشطة والاستهدافات

اما فيما يتعلق بأهداف الإخوان واساليب عملهم في المهاجر التي لجأوا إليها وعلى رأسها السعودية، فيشير الباحث العتيبي إلى انها تتمثل في نشر دعوة الإخوان المسلمين فكراً وتنظيماً، من خلال السيطرة على العملية التربوية، والجمعيات الخيرية، والمؤسسات ذات الطابع الشمولي، كالمؤسسات الإسلامية الكبرى ذات الأدوار السياسية، مضافا الى التغلغل في كل أعصاب المجتمع بشتى السبل.

ولقد بدأ نشاط تنظيم الإخوان المسلمين في السعودية بشكل واضح كان في فترة حكم الملك فيصل بن عبد العزيز، ملك السعودية في الفترة بين «1964 - 1975». إذ وقتها كانت العلاقات بين السعودية ومصر، والتي كان يرأسها وقتئذ الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، في أقصى توترها بين الدولتين ذات النظامين السياسيين المختلفين جذريا[9] .

وقد سيطر الاخوان على مواقع حساسة ومهة في المملكة مكنتهم من ترسيخ وجودهم وتوسعة نفوذهم محليا وأقليميا ودوليا. وقاموا بادوار محورية وهامة، خصوصا على صعيد التنمية الفكرية والثقافية، وذلك من خلال بوابة التربية والتعليم والثقافة الاسلامية. كما شيدوا العديد من المعاهد والكليات وقاموا بوظيفة التدريس فيها وتاليف الكتب ووضع المناهج الدراسية، منذ ايام الملك فيصل، أي في وقت لم يكن يوسع أحد في المملكة القيام بهذا الواجب سواهم، على حد تعبير لاشين أبو شنب، عضو مكتب الارشاد في الاخوان المسلمين. وشغلوا مناصب تعليمية رفيعة منذ مستهل الستينيات، فمن بين الشخصيات الاخوانية المشهورة التي كانت تدرس في جامعة المدينة في تلك الفترة مثلا، محمد المجذوب من سوريا وعلي جريشة من مصر. كما عين محمد قطب شقيق سيد قطب، استاذا في كلية الشريعة في مكة عقب اطلاق سراحه من السجن عام 1971م. ولا يختلف الحال كثيرا عنه في سائر بقية الجامعات بالمملكة، ولا سيما جامعة الامام حيث اصبح مناع القطان، الممثل الاول للاخوان في المملكة رئيسا لقسم الدراسات العليا فيها.

اسباب الاستقطاب

وفيما يتعلق بالاسباب التي دفعت المملكة لاستقطاب الاخوان فيذكر الباحث السعودي عبد الله بجاد العتيبي خمسة اسباب:

الأول: مواصلة السعودية لسياسة الملك عبد العزيز في استقطاب النابهين من العالم العربي في شتى المجالات، مع تفريقٍ كان حاضراً في ذهن الملك عبد العزيز بين من يستقطبهم لرعاية شؤون الدولة وغالبيتهم من المثقفين العرب والأجانب كفلبي وخير الدين الزركلي وغيرهم كثير، ومن يستقطبهم بغرض تخفيف التوتّر الديني الداخلي كحافظ وهبة وغيره ممن لم يحضر للسعودية وإن زارها وقدّم لها الكثير من الحلول لمشكلاتها الشرعية مع الخطاب الديني المحلي، كمحمد رشيد رضا وغيره.

الثاني: سعي المملكة لمواجهة المدّ الناصري الثوري خصوصاً وأنّ عبدالناصر ناصب الملكيات العربية العداء، وكان يصمها بالرجعية وسعى إلى الإطاحة بعروشها ونجح مسعاه في ليبيا واليمن وضربت طائراته المناطق الجنوبية في السعودية، فتبنّت السعودية دعم التضامن الإسلامي في وجه المدّ الناصري. وكان أقوى خصوم عبدالناصر في الداخل حينها هم جماعة الإخوان المسلمين، فكان استقطاب الإخوان على مبدأ عدوّ عدوّي صديقي.

الثالث: سعي المملكة إلى تطوير الخطاب الديني المحلي، بعد الممانعة المستمرّة من قبل قادة هذا الخطاب لأغلب قرارات تطوير الدولة وتحديثها، وكمثالٍ يمكن مراجعة كتاب «فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن ابراهيم بن عبداللطيف آل الشيخ ففيه الكثير من رفض الأنظمة الحديثة وإطلاق أحكام الكفر والردّة عليها، وقد انتقى من هذه الفتاوى كل ما يصبّ في هذا الاتجاه صاحب كتاب: الكواشف الجليّة في كفر الدولة السعودية تحت فصلٍ أسماه» فاعتبروا يا أولي الأبصار". وكان الإخوان المسلمون يقدّمون حلولاً إسلاميةً وبحوثاً شرعيةً معمّقةً لتمرير مشاريع الدولة التي أعاقها الخطاب التقليدي.

الرابع: ما واجهته السعودية من تحديات داخلية تمثّلت في حركة أحد المتشددين الذي قام بضرب التلفزيون السعودي مع معاونيه والتي أشارت إلى تنامي خطاب التطرف داخل الخطاب التقليدي، وكان هذا الحادث اختراقاً لسلطة الملك وسيادة الدولة. وكذلك قيام تنظيمات حزبيةٍ ثورية منها القومي ومنها البعثي ومنها الشيوعي، تبنّت معارضة النظام بصراحةٍ ووضوحٍ، وانتشر بعضها بين العمّال وبين طلبة الجامعات، وكان أفضل من يقوم بمواجهتهم حينذاك هي جماعة الإخوان المسلمين، نظراً لخبرتها بأطروحاتهم ومقدرتها على مقارعة حججهم بحججٍ دينية، وهي تجربة لم تنفرد بها السعودية بل استخدمتها أغلب الدول العربية في مواجهة المدّ اليساري.

الخامس: سعي المملكة المشروع لإثبات نفسها كدولةٍ قائدةٍ ورائدةٍ، وكذلك تثبيت مكانتها وثقلها السياسي في العالمين العربي والإسلامي وفي العالم أجمع.

اقسام الاخوان في المملكة

ويشير بعض المهتمين الى ان الإخوان المسلمين المتواجدين في السعودية، ينقسمون فكرياً الى جناحين: بنائيين نسبةً للبنّا وقطبيين نسبة لسيد قطب، ويرى كثيرون ومن بينهم الباحث العتيبي أن الاخوان ينقسمون حركياً إلى ثلاثة أقسامٍ:

1 - إخوان الحجاز: وهم منتشرون في الحجاز والجنوب والمنطقة الشرقية. ولهم وجودٌ لا بأس به في بقية المناطق. ويعدّون أقوى تنظيمات الإخوان في السعودية، فهم الأكثر تنظيماً وتأثيراً وانتشاراً.

2 - إخوان الرياض أو القيادة العامة: وهي نخبة من الإخوان المسلمين ليس لهم تأثير أو انتشار كبيران، ويكاد نشاطهم يقتصر على المشاركة في بعض البيانات.

3 - إخوان الزبير: وهي مجموعة من أهل الزبير، الذين انتسب بعضهم للإخوان في الزبير وبعضهم لحق بالتنظيم أثناء الاجتماعات العائلية التي يعقدها أهل الزبير كآلية للتواصل الاجتماعي بينهم في السعودية. وهم في الغالبية مسالمون وبعيدون عن الصخب مع بعض الاستثناءات.

ويميل العتيبي، للتقسيم الثاني بناء على متابعةٍ طويلةٍ لجماعة الإخوان في السعودية وحواراتٍ ونقاشاتٍ متعددة مع بعض عناصر الإخوان السابقين ومع بعض المراقبين والمهتمين بالموضوع. وثمة مجموعة من الأسماء تنسب لكل فرع من هذه الفروع الإخوانية، يتحاشى الباحث ذكرها لعدم توفّر المصادر التي يمكن الاعتماد عليها.

توتر العلاقة مع النظام

وقد توترت العلاقات بين النظام السعودي وحركة الإخوان المسلمين مرات عديدة، لعل ابرزها كان نتيجة حدثيين مهمين:

الاول خارجي، وتمثل في موقف السعودية من ثورة اليمن 1948، حيث أبدى الإخوان غضبهم من الملك عبد العزيز لوقوفه ضدّ هذه الثورة، ويقول محمود عبدالحليم: «كان لهذه الثورة آثارٌ على المستوى المصري وأخرى على المستوى العربي.. أما على المستوى المصري فإنها ألقت في الروع في قلوب القائمين على الحكم في مصر، مما جعلهم يلقون بثقلهم أولا لإحباطها ثم ليعدّوا العدّة للقضاء على مدبّريها وهم الإخوان المسلمون الذين بلغوا أشدّهم، حيث كانت لديهم المقدرة في أنّهم يقيمون الدول ويسقطونها. فوجد فاروق في مصر تجاوباً لأحاسيسه عند الملك السعودي عبد العزيز وقد قرّبت ما بينهما وأنستهما الخلافات التي كانت بينهما» [10] .

والحدث الثاني، كان حدثا داخليا تمثل موقف الاخوان المسلمين أثناء حرب الخليج الثانية من الحكومة السعودية، الذي كان متوافقا مع أغلب مواقف الجماعات الإسلامية في المملكة، والتي تحفظت على مشاركة قوات غير مسلمة في قتال العراق[11] .

لعل حديث الامير نايف بن عبد العزيز عن الاخوان يعزز ماتم الاشارة اليه آنفا، ويعكس جانبا من مدى السخط السعودي على النشاط الحركي السري للاخوان في المملكة، فقد قال في هذا السياق: «بحكم مسؤولياتي أقول ان الاخوان لما اشتدت عليهم الأمور، وعلقت لهم المشانق في دولهم، لجؤوا الى المملكة فتحملتهم وصانتهم، وحفظت حياتهم بعد الله، وحفظت كرامتهم ومحارمهم وجعلتهم آمنين، لكن بعد بقائهم سنوات بين ظهرانينا، وجدنا أنهم يطلبون العمل، فأوجدنا لهم السبل، ففيهم مدرسون وعمداء، فتحنا أمامهم أبواب المدارس والجامعات، لكن للاسف لم ينسوا ارتباطاتهم السابقة، فأخذوا يجندون الناس، وينشؤون التيارات، واصبحوا ضد المملكة[12] . كما أشار سعد الدين إبراهيم قائلاً:» حينما ضُربت حركة الإخوان المسلمين بواسطة الرئيس المصري جمال عبدالناصر في الخمسينات وفي الستينات، فرّ عددٌ كبيرٌ من الإخوان إلى المملكة العربية السعودية، المعقل الحصين للوهابية، حيث أحسنت وفادتهم وحمايتهم. كما أنّ عدداً كبيراً منهم شاركوا في بناء الدولة السعودية الثالثة، واستفادوا بقدر ما أفادوا أدبياً ومادياً"[13] .

التأثير المتبادل

وفيما يتعلق بالتأثير السلفي على الإخوان أو العكس أو مجمل تأثير حركة الاخوان على المجتمع السعودي في الماضي والحاضر والمستقبل، فأن المعطيات القائمة على الارض تدل على ان التأثير الذي احدثه تنظيم الاخوان ثقافيا وفكريا وحركيا على المجتمع السعودي عامة والحالة السلفية خاصة، كان عميقا ولا يمكن نكرانه. ولكن يمكن القول بأن التأثير لم يكن من طرف واحد فقط، وانما هو تاثير متبادل، بمعنى في الوقت الذي أثر تنظيم الاخوان على المجتمع السعودي بمختلف تياراته وقواه الدينية ثقافيا وفكريا وحركيا، فأن الاخوان ايضا تأثروا بالحالة الدينية السعودية، خصوصا الحالة السلفية. ونتج عن ذلك وجود تيار اخواني سلفي سعودي، له خصائصه التي تميزه عن سائر التيارات الاخوانية الموجودة في انحاء مختلفة من العالم الاسلامي.

إلا ان تاثير الاخوان لم يقتصر على النظام التعليمي السعودي بحكم عملهم في التدريس، وبتمثيلهم قوة بارزة في اعادة تشكيل النظام واعادة صياغة المناهج التعليمية، الذي ادخلوا فيه العناصر الاساسية التي تشكل عماد ايديولوجيتهم ونظرتهم الى العالم[14] . وان كان ذلك وحده يكفي لان يؤثر على مجمل الحياة العامة في المملكة، الا ان الخطاب الديني الذي جاء به الإخوان المسلمون للسعودية، وهو خطاب مختلف عن الخطاب السلفي السائد، وقد تم معارضةً العديد من أطروحاتهم، وعانوا من عدم التقبّل الشعبي لها. لكن مع مرور الوقت وجدوا حلّهم الخاص لهذه المشكلة، وقد تمثّل هذا الحلّ في تشكل تيار سعودي اخواني زاوج بين الوعي الحركي والتنظيمي، الذي أتى به الاخوان، وبين الفكر أو التراث السلفي السعودي. وبات هذا التيار اليوم من اكثر التيارات تأثيرا في الساحة السعودية.

ففي ظل ثورات الربيع العربي ووصول حركة الاخوان المسلمين الى جانب بعض الاحزاب السلفية الى السلطة في كل من تونس ومصر تحديدا، سيلقي بتأثيراته الواسعة على الساحة السعودية، عبر بوابة الاخوان خصوصا ان حركة الاخوان السعودية باتت اليوم من اشد التيارات الحركية تفاعلا وإيمانا بنفس الافكار والطروحات، التي يرددها ويسعى الى تطبيقها اتباع الحركة الام سواء في مصر أو تونس أو انحاء اخرى في العالم الاسلامي.

لذلك فأن المراقب الى الساحة السياسية السعودية اليوم، يلمس دعوات جادة من مختلف التيارات الحركية، ومن بينها الاخوان، تطالب بتعزيز المشاركة الشعبية والحريات العامة والشفافية والمحاسبة والمساءلة وسيادة القانون وحاكمية الشعب، واقامة دولة مدنية تؤمن بمبادئ وقيم الديمقراطية، وهي ذات الطروحات التي يتم ترديدها في انحاء مختلفة في العالم العربي، خصوصا فيما بات يسمى بدول الربيع العربي، أو البلدان التي لازالت تشهد احتجاجات ثورية.

[1]  وكيبيديا، الموسعة الحرة
[2]  محمد أبو الاسعاد: السعودية والاخوان المسلمون، مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الانسان، القاهرة، 1995.
[3]  حسام تمام: الاخوان والسعودية - هل دقت ساعة الفراق، جريدة القاهرة، 2003م.
[4]  لاكروا، ستيفان: زمن الصحوة «الحركات الاسلامية المعاصرة في السعودية»، ط. 1، بيروت، 2012م.
[5]  حسن البنّا، مذكرات الدعوة والداعية، الإسكندرية، دار الدعوة، الطبعة الأولى 2001 ص72.
[6]  سنة 1346هـ 1927م كان إرسال أوّل بعثةٍ من خريجي المدارس «الزركلي شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز ج2 ص 637. قارن بأمين الريحاني» ملوك العرب «ص583، وإن كان عزم عبد العزيز على هذا الابتعاث قبل هذا التاريخ بسنواتٍ وذلك في عام 1924م حيث جاء في كتاب:» الملك عبد العزيز آل سعود وأمين الريحاني: رسائل متبادلة «رسالة من الريحاني يقول فيها:» وهناك أمر الأولاد الأذكياء الذين كان في نيّتكم إرسالهم ليتعلّموا في الجامعة الأمريكية في بيروت.. وحبذا هذا العمل والإسراع به ليكون مولاي أول ملوك العرب الذين أقدموا على مثله في تعليم الشبان الأذكياء وإدخال العلم وأسبابه إلى بلاده بهذه الطريقة الوطنية" ص43.
[7]  حسام، تمام: الاخوان والسعودية - هل دقت ساعة الفراق؟، جريدة القاهرة، 3/12/2003م.
[8]  بجاد العتيبي، عبد الله: الإخوان المسلمون والسعودية الهجرة والعلاقة، مركز المسبار للدراسات والبحوث، 2012م.
[9]  تاريخ الدولة السعودية كما يراه الأمير طلال: حوار مع قناة الجزيرة الفضائية، موقع الأمير طلال بن عبد العزيز، تاريخ إجراء المقابلة 21 أكتوبر، 2000م.
[10]  محمود، عبد الحليم: الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، الإسكندرية، دار الدعوة، 2004 ج1 ص 453
[11]  ويكبيديا، الموسوعة الحرة.
[12]  لاكروا، ستيفان: زمن الصحوة «الحركات الاسلامية المعاصرة في السعودية»، ط. 1، بيروت، 2012م.
[13]  من تقديمه لـعلي عشماوي «التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين»، مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية 2006 ص3.
[14]  لاكروا، ستيفان: زمن الصحوة «الحركات الاسلامية المعاصرة في السعودية»، ط. 1، بيروت، 2012م.