لاستعراض الموقع بشكل صحيح عليك الترقية لمتصفح إنترنت اكسبلورر 9 أو استخدام متصفحات اخرى مثل Chrome, FireFox, Safari

«بين واحتين»... توثيق لتجربة الغربة

• عنوان الكتاب: بين واحتين، خواطري بين الأحساء ونجران
• تأليف: وفاء علي بو خمسين
• عدد الصفحات: 75 صفحة من القطع المتوسط
• السعر: 6 دولارًا.
• الناشر: دار الرافدين للنشر - بيروت - 2013
• متوفّر حالياً في معرض الرياض الدولي للكتاب 2013

«رأينا الدبابات وسيارات مكافحة الشغب في شوارع نجران... وفي اليوم التالي سمعنا أن مصادمات مع رجال الشرطة قد حصلت بالأمس، بسبب إلقاء القبض على أحد شيوخ أسرة كبيرة من الطائفة الإسماعيلية، فقامت الإحتجاجات والمظاهرات وفُجّرت أنابيب الغاز في الشوارع وتم اعتقال الكثير من الشباب. كان ذلك حوالي سنة 1421 هـ. »

تُوثّق الكاتبة وفاء علي بوخمسين تجربتها مع الغربة، فهي قد انتقلت من مسقط رأسها الأحساء شرقي المملكة العربية السعودية، إلى نجران في جنوب المملكة الغربي، من أجل أن تعمل كمدرّسة لغة عربية في المرحلة الثانوية، وذلك بعد أن أخبرتها وزارة التعليم أن هذه هي الفرصة الوحيدة للتوظيف، فالمدن الرئيسية جميعها مكتفية بالمعلّمات.

و من هنا بدأت رحلة المعاناة مع الغربة ورحلة الإستكشاف في ذات الوقت كما تقول الكاتبة وفاء بو خمسين، والتي وثقتها في كتابها الصادر حديثاً بعنوان: «بين واحتين: خواطري بين الأحساء ونجران» «دار الرافدين للنشر - بيروت». وفيه تسرد الكاتبة قصتها وكيف تحمّلت العيش بعيداً عن الأهل والأولاد لمدة ثماني سنوات طوال، كما ترصد الإختلافات التي رأتها من داخل المجتمع النسائي النجراني، مما يجعل مضمون هذا الكتاب ذا قيمة فريدة قلما يستطيع أي باحث آخر من الرجال أن يكتب مثله.

تقول الكاتبة:

«خرجنا للتسوّق في نجران سنة 1419 هـ... لم نكد نرى أي عنصر نسائي حتى في محلات الملابس النسائية... نساء نجران لا يظهرن، وإنما يقوم بالتسوق نيابةً عنهنّ أزواجهن... يأخذ الزوج كمية كبيرة من الملابس ويذهب بها إلى المنزل، وتختار الزوجة ما يناسبها، ثم يُرجع الباقي إلى المحل. عرفنا ذلك من الطالبات في المدرسة... »

و لا يقتصر الأمر على تسجيل مذكراتها في نجران، وإنما تتطرق الكاتبة إلى البيروقراطية الحكومية البغيضة، والبطء في اتخاذ القرارات وحل مشاكل المعلّمات، ما أدّى إلى ظهور الواسطة والمحسوبيات، ثم تلاها ظهور الرشاوى وعمليات النصب على المعلّمات المغتربات للإستيلاء على أموالهن، واستغلال حاجتهن الماسة للنقل السريع إلى بلدانهن... وذلك بعد أن بذلت المعلمات وذووهن كل ما يمكن عمله لمخاطبة المسؤولين في إدارات التعليم والوزارة طيلة الثماني سنوات، ولكن بدون جدوى.

و من جهةٍ أخرى، ومن المفارقات المضحكة، تخبرنا الكاتبة حسب ما نقلت لها إحدى صديقاتها من المعلّمات المحلّيات، أن أهالي نجران قد شكّلوا وفداً من شيوخ القبائل وذهبوا لمقابلة أمير منطقة نجران، يشكون إليه لماذا يتم توظيف معلمات من مناطق أخرى غير نجران، وبنات البلد جالسات في البيوت بدون عمل؟ فرد عليهم قائلاً بناتكم خريجات معهد المعلمات ولا يصلحن للتدريس في المرحلة الثانوية، وقد امتلأت المدارس الإبتدائية والمتوسطة بالمعلّمات المحلّيات... وبعد هذه الشكوى بفترة، تم افتتاح كلية للمعلمات تعطي شهادة البكالوريوس. وفي آخر سنة للكاتبة في نجران، بدأت أول دفعة من خريجات هذه الكلية بالتطبيق في المدارس لتدريس المرحلة الثانوية.

و إضافة إلى ذلك، وبعيداً عن الأحساء ونجران، تذكر لنا الكاتبة وفاء بو خمسين ما شاهدته بشكل عام من سلوكيات إيجابية أو سلبية، موجودة في مجتمعنا السعودي، ولكن نادراً ما يتطرق لها أحد ويضعها تحت المجهر:

«جلستُ في الطائرة وفي المقعد إلى جانبي عاملة آسيوية... وبعد إقلاع الطائرة جاء المضيف ووزّع الوجبات ولم يعطها متعمداً ذلك. نظرتْ إليّ وعينيها ممتلئتين بالدموع. فقلت لها: لا عليكِ، خذي وجبتي وكليها... لقد تعجّبتُ من هذا الموقف وهذا التعامل العنصري والجاف مع العمالة الآسيوية حتى من مضيف الطائرة. »

يتميّز الكتاب الذي كتب مقدمته الأستاذ محمد الرمضان ورسم لوحة الغلاف الفنان سعيد الوايل بالإختصار المشوّق، والمباشرة في الطرح مع الحيادية، فنادراً ما تبدي الكاتبة رأيها في ما تسجله من أحداث إلا إذا كانت متعلقة بها وبعائلتها شخصياً. ويتوالى سرد مثل هذه الحكايات المأساوية أحياناً والمضحكة أحياناً أخرى، بلغة سهلة بعيدة عن التكلف وبعيدة عن لغة الوعظ، فيشعر القارئ أنه قد انتقل مع الكاتبة في رحلتها تلك، وأصبح مراقباً من بعيد لكثير من المواقف التي تكشف تناقضات مجتمعنا.

ثم تختم الكاتبة بفيض من المشاعر التي أملتها عليها مرارة الغربة، والتي يمتزج بها الإعجاب بهذه المدينة الغارقة في التاريخ والجمال. ويظهر ذلك جليّاً في خاطرة لها بعنوان «الأخدود»، ذلك الأثر الذي خلّده القرآن الكريم في سورة البروج، تقول الكاتبة وفاء بو خمسين:

"هناك خلف الأسلاك الشائكة...

مدينة كاملة من السكون والموت

سوف آخذ حفنة من هذا التراب، من تراب الأخدود

لأنّ في ذراته قلب الأم المؤمنة...

و أطلب من ربي بحق هذا القلب المؤمن، أن يردني إلى أحبابي

فأنا لا أريد أن أموت وأدفن هنا وبعض أجزائي هناك... "