لاستعراض الموقع بشكل صحيح عليك الترقية لمتصفح إنترنت اكسبلورر 9 أو استخدام متصفحات اخرى مثل Chrome, FireFox, Safari

مرضى بالمظهرية

كلنا نحضر مناسبات الأفراح والأحزان، نبارك للمتزوجين، ونعزي ذوي المتوفين، نعود المرضى ونشارك الطلاب فرحة تخرجهم، ونهنئ السجناء ببهجة حريتهم، لكن، لا يصدف أن تلتقطنا عدسات المصورين، نؤدي كل تلك المهمات والواجبات بحب ولا تصطادنا الكاميرا، على عكس فئة من الناس الذين يواجهونا كل يوم بصورهم وهم يؤدون فرضاً اعتيادياً من فروض الحياة اليومية.

بالتأكيد، لم تلتقطهم الكاميرا بالصدفة، إنما وفق تدبير مبيّت ومتفق عليه، فهؤلاء الذين يعتقدون أنهم نجوم اللحظة، وأبطال المرحلة، وصُناع المستقبل، يتنافسون في خطف الأضواء، ولفت الأنظار، اعتقاداً منهم أن وجودهم في الفضاء العمومي بهذا الشكل، من شأنه التأثير في سلوك الآخرين، وإيجاد قدوة أخلاقية جديرة بالاتباع.

في واقع الأمر أن تلك الممارسات المفتعلة - التي تخاطب وعي ووجدان الضمير الجمعي - ما هي إلا محاولة لتسويق أنفسهم وتصعيد ذواتهم، فهم يحاولون من خلال منظومة الصور المتفق عليها تلك، تحصيل وثيقة حضور إجتماعي والإعلان عن المشاركة والانتماء، أي كسر الصورة النمطية التي حبسوا أنفسهم فيها باعتبارهم كائنات خارج السياق العام، وبالتالي فهم يبعثون إشارات صريحة تقود إلى جوانبهم الإنسانية التي يعتقدون أننا نجهلها، أو هذا هو على الأقل أحد أوهامهم.

على هذا الأساس نلاحظ استماتتهم في الحضور الاجتماعي من خلال كثرة التصاوير المبعثرة بكثافة في الفضاءات الاجتماعية، وهي عادة باتت ملحوظة بقوة عند بعض المشايخ، والرياضيين، والممثلين، وفصيل كبير من الشخصيات المأزومة بواقعها الاعتباري، المنفصمة على حافتي الشهرة والتأثير، حتى نجوم الدرجة الثانية - الذين يصطلح المصريون على تسميتهم السيكوندو - باتوا يمارسون ذات الوظائف الترويجية لأنفسهم.

ليس من المسموح في عاداتنا وثقافتنا وقوانيننا لمصوري «الباباراتسري» التلصص على حياة الآخرين، وإلا لصدقنا أن تلك الصور هي اقتناصات لمصورين خارج جوقة النجم وحاشيته، لكن كم الصور، وطبيعة المناسبات التي يظهر فيها هذا النجم أو ذاك، تؤكد - بما لا يقبل الشك - أن حفلة معدّة مسبقاً بطلها شخصية مغرمة ليس بالظهور في صفحات الواجهة الاجتماعية وحسب، بل المكوث في جنباتها لأطول فترة ممكنة، وهذا هو ما يفسر اقتسام كعكعة الشُهرة بين أولئك وفق خطة مدروسة، ومن خلال ريبورتاجات مصورة بحرفية عالية، وليس بكاميرات هواة ومعحبين.

لا شك في أن معظم أولئك تنتابهم أعراض «المظهرية»، ويعانون كثيراً لتبرير وجودهم الدائم في الفضاء الاجتماعي وحاجتهم الماسة إلى ذلك، لأنهم أميل إلى الاعتقاد بكونهم مفاتيح صناعة الرأي، ونجوم تشكل الرأي العام، من خلال منظومة اجتماعية مدّجنة يلعبون فيها دور منتج القيم، إلا أنهم في واقع الأمر مجرد واجهة لجمهور يتفنن في تشكيل صورتهم وفق أهوائه وميوله.

إن وقوفهم الزائف والمصطنع أمام الكاميرا يومياً يعني دفعهم لتمثيل أدوار الناس الفرحين أو المتفائلين أو الحزانى والمكسورين، وهي مشاعر مستعارة تؤدي بالذات التي تتلبسها زوراً إلى الاضطراب النفسي: أي نسيان الفرد / النجم ذاته الحقيقية والعيش بذات افتراضية أملتها عليه الإرادة الجماهيرية، إذ لا يمكن لذات فرحة أن تلتقط صورة صادقة مع الألم، ولا يمكن لكائن حزين أن يتقمص دور المبتهج المتفائل لمجرد تمرير فكرة في الفضاء العام، فالصورة فضّاحة، وتكشف ما وراء الرؤية البصرية من أحاسيس دفينة.

من المهم أن يكون للمشايخ والدعاة حضورهم الاجتماعي خارج الجامع، وأن يُرى الممثل خارج الشاشة، وأن يكون للرياضي دوره خارج الملعب: أي أن يمارس النجوم والشخصيات الاعتبارية المهمات الإنسانية اليومية ليقولوا للآخرين: إننا بشر مثلكم نفرح ونحزن ونتألم ونبتهج، نستطيع فعل ذلك وأكثر بعيداً عن عيون الكاميرا، لا أن يتحولوا إلى غارسي أشجار، ومنظفي شواطئ، وكناسي مساجد، وعُواد مرضى، داخل اللقطات الاستعراضية.

صحيفة اليوم