لاستعراض الموقع بشكل صحيح عليك الترقية لمتصفح إنترنت اكسبلورر 9 أو استخدام متصفحات اخرى مثل Chrome, FireFox, Safari

مع السيد كمال الحيدري في مشروعه للمرجعية الدينية

أجدني مضطراً بعد الهرج والمرج الذي أحدثه التسجيل الصوتي المنسوب للسيد كمال الحيدري، والذي يتناول فيه مشروعه المرجعي، لئن أوضح وأبين وجهة نظري في هذه المسألة، خصوصاً وأن بعض ردود الأفعال حوله كانت غير متزنة.. وعلى الرغم من أن السيد حفظه الله قد نفى صحة ما جاء في التسجيل المنسوب له من إساءة للمرجعية الدينية ببيان مكتوب، وكذلك قد أوضح وجهة نظره بالتفصيل - في مشروع المرجعية الدينية الذي يتبناه - بتسجيل مصور «فيديو» إلا أن البعض تجاهل هذا كلياً، ولا زال يتحدث عن التسجيل الصوتي «الأول» المنسوب له، وما فيه من إساءات للمرجعية الدينية.

ويا ليت هؤلاء تحدثوا ولو قليلاً عن الأفكار التي قالها السيد في التسجيل الثاني «المصور» بدلاً من التركيز على تسجيل منسوب تبرأ من بعضه - الإساءات - ولم يؤكده بأكمله، وذلك لأن السيد حفظه الله أكد فيه - أي في التسجيل الثاني - بعض وجهات نظره حول هذه القضية بشكل واضح وتام ومقصود، ولكن ما نشاهده هو التجاهل التام لهذه الأفكار، وكأن الهدف من وراء هذه الزوبعة، هو إسقاط السيد الحيدري وليس أمراً آخر، وكأن لسان حال البعض يقول: إن هذه الفرصة إذا ما مرت دون إسقاطه فإنها لن تعوض أبداً!

ولهذا آليت على نفسي، أن أقدم توضيحاً لمشروع السيد كمال الحيدري حفظه الله للمرجعية الدينية، معتمداً في ذلك على أقواله وتصريحاته في التسجيل الثاني المصور، ومتجاهلاً كلياً وعن إرادة وقصد ما جاء في التسجيل الصوتي الأول، وذلك لأنه نفى جزءاً منه، «وهو الجزء الذي يتناول الإساءة لبعض المرجعيات الدينية»، وهذا الجزء هو ما سبب هذه المشكلة.

وقد يشكك البعض بصدق السيد الحيدري وبصحة كلامه ويقول: بأن التسجيل الأول بكامله صادر منه وليس مفبركاً، وليس فيه أي تقديم أو تأخير كما يدعي، ولهؤلاء أقول: أنني لن ألتفت لذلك لسببين: أولاً: مادام أنه نفى ذلك فسأصدقه لأن ثقافتنا الدينية تحثنا على ذلك، والأمر الآخر لو سلمنا جدلاً بأن التسجيل الأول صادر منه فعلاً، ولكنه تراجع عنه ولم يصر عليه، فما فائدة التركيز عليه بهذا الشكل مع تجاهل الأفكار التي ما زال مقتنعاً بها ولم يتراجع عنها، كما أنني لست قاضياً أو محققاً أو ذا خبرة في هذه الميادين حتى أثبت أن الشريط مفبرك فعلاً أم لا، بالإضافة إلى ذلك أن هذا الأمر ليس ذا أهمية عندي.

أسس المشروع المرجعي للسيد الحيدري:

بعد مقدمة قصيرة بدأ السيد كمال الحيدري حديثه في التسجيل الثاني المصور حول التسجيل المنسوب له بالسؤال التالي: «ما هو المقصود بالفقه القرآني والفقه الاصطلاحي؟ وقال: لا يتبادر إلى ذهن أحد أن هذه القضية أطرحها في الآونة الأخيرة، هذه القضية بشكل واضح وتفصيلي أشرت إليها في بحث التفقه في الدين في كتابي التفقه في الدين ص 40 وهو تحت عنوان تحديد دائرة التفقه، ما هو المقصود بالفقه في المعنى القرآني؟ ما هي الفروق بين المعنى الرائج للفقه والمعنى القرآني؟ أشرت إلى فريقين في هذا المجال، فلا يتبادر إلى ذهن الأعزاء أننا طرحنا هذا البحث جديداً، هذه واحدة من المفاصل التي اعتقدها في منظومة فكر مدرسة أهل البيت عليهم أفضل الصلاة السلام، وهي أنني أعتقد أن العالم الديني لا بد أن يتوفر على مجموعة من الأمور».

وأردف قائلاً: «وقبل أن أشير إلى تلك الأمور التي لا بد أن يتوفر عليها - «عالم الدين» - في اعتقادي أن أشير إلى أن الاصطلاح القرآني والاصطلاح الروائي بشكل عام، وكذلك كلمات الأعلام في مدرسة أهل البيت «تؤكد» أن الفقه كلفظ، كاصطلاح، كمفهوم، لا يختص بالحلال والحرام، وإن كان الرائج الآن في أذهاننا سواءً في العرف الحوزوي أو العرف المتشرعي أو لعله حتى في العرف العام بين الناس عندما يقال فقه يذهب الذهن إلى مسائل الحلال والحرام، يذهب الذهن إلى الرسالة العملية التي كتبها أو يكتبها علمائنا، لا ليس الأمر كذلك».

الفقه في القرآن الكريم:

ولتوضيح المعنى القرآني للفقه، يقول السيد الحيدري: «عندما ترجعون إلى القرآن الكريم بشكل واضح وصريح قال: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ هذه الآية المباركة في سورة التوبة الآية، 122 واضحة تشير إلى هذه الحقيقة، ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ بودي لو أن الأعزة يتصفحوا كلمات المفسرين في ذيل هذه الآية المباركة، تجد حتى أولئك الذين قالوا ينصرف - «أي الفقه» - إلى الحلال والحرام، قالوا هذا خصص عرفياً، وإلا «فإن» معناه القرآني أوسع من ذلك».

بعدها ينقل السيد الحيدري بعض آراء المفسرين في هذا الصدد، إذ يقول: «أنظروا على سبيل المثال «إلى» شيخ الطائفة الشيخ الطوسي في التبيان المجلد الخامس في صفحة 322، هذه عبارته هنا يقول: والتفقه تعلم الفقه، والفقه فهم موجبات المعنى المضمنة بها من غير تصريح، وصار بالعرف - أي أن الاصطلاح القرآني له معنى آخر - مختصاً بمعرفة الحلال والحرام».

ومن ثم ذكر السيد الحيدري كلمات السيد الطباطبائي رحمه الله تعالى، حيث يقول «أي الطباطبائي»: «ومن هنا يظهر أن المراد بالتفقه تفهم جميع المعارف الدينية، من أصول وفروع، لا خصوص الأحكام العملية، وهو الفقه المصطلح عليه عند المتشرعة، والدليل عليه أولاً: ليتفقوا في الدين، ثانياً: ولينذروا أهليهم، فإن الإنذار إنما يتم بالتفقه في جميع الدين، ومنه ما يتعلق بالثواب والعقاب الأخروي». بعدها يعقب السيد كمال حفظه الله بوضع هذا التساؤل بقوله: «ومن الواضح أن المعاد هل هو مرتبط بالحلال والحرام أم مرتبط بالأبحاث العقدية والرؤية الكونية؟!».

الفقه في الروايات:

بعدها ينتقل السيد كمال الحيدري للاستدلال ببعض الروايات على رأيه حيث قال: «وأما على مستوى الروايات، فعندما تأتي للروايات الوارد في الأصول من الكافي الطبعة الحديثة مركز بحوث دار الحديث المجلد الأول ص114 باب كتاب فضل العلم، باب المستأكل بعلمه والمباهي به، الرواية «عن الإمام الصادق» عن أبي عبد الله الصادق قال: "قال رسول الله الفقهاء أمناء الرسل"».

ومن ثم يتساءل بقوله: «سؤال: هل أن الرسل جاءوا إلى أممهم فقط بالحلال والحرام، أم جاءوا إلى أممهم بهذه المنظومة الكاملة من المعارف، ولا يمكن أن يقول أحد أن المراد من الفقه هو فقط الحلال والحرام، وإلا لما أمكن أن يكون الفقيه أميناً للرسل بنحو كامل، وإنما كان في بعد من الأبعاد أميناً للرسل».

واستدل براوية ثانية على وجهة نظره وهي كما يقول: جاءت في نفس الجزء الأول من أصول الكافي في ص92 كتاب فضل العلم باب فقد العلماء، وهي، سمعت أبي الحسن موسى ابن جعفر يقول: «إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة، وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها، وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله، وثلم في الإسلام ثلمه لا يسدها شيء، لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها».

بعد هذه الرواية أيضاً يتساءل السيد حفظه الله قائلاً: «سؤال: الدين إذا كان «المقصود به» خصوص الحلال والحرام، فالفقيه سوف يكون حصناً بهذا القدر، أما إذا كان مجموعة منظومة المعارف الدينية... فلا بد للفقيه حتى يكون حصناً وسوراً أن يقف على منظومة هذه المعارف بكاملها، وإلا لما كان حصناً وسوراً لجميع المعارف».

ويوضح رأيه بقوله: «بعبارةً أخرى، يغلق باباً ويكون سداً أمام بُعد - أي عالم الفقه - ولكن تبقى الأبعاد الأخرى من الدين مفتوحة لئن يخترقها الأعداء، فكرياً وعقائدياً ودينياً، إذاً لكي يكون السور كاملاً والحصن تاماً، لابد أن يكون واقفاً على جميع المعارف الدينية، وإلا لما كان حصناً تاماً».

وبعدها ينتقل للاستدلال برواية ثالثة، وهي كما يقول: «ما ورد في كتاب فضل العلم، باب صفة العلم وفضله الرواية عن الإمام الصادق : "إن العلماء ورثة الأنبياء"».

ثم يقول: «سؤال: ماذا ورث الأنبياء؟ هل ورثوا الحلال والحرام فقط؟ أو ورثوا كل المنظومة الدينية من توحيد ومعاد ومن نبوة ومن إمامة ومن عدل؟ مضافاً في كل باب من هذه الأبواب مئات بل آلاف المسائل، هذه كلها لا بد أن يتوفر عليها العالم حتى يكون من ورثة الأنبياء.. نقول - والكلام للسيد الحيدري - إذا اختص الإنسان في قضايا الحلال والحرام والرسالة العملية أليس بعالم؟ نعم عالم «ولكن» في ذلك البعد. لا يكون عالم دين، «ولكن» يكون عالم بالمعنى المختص فيه، كعالم فقه، والفقه جزء من الدين، أو عالم عقائد، أو عالم أخلاق، «أما» إذا وقف الإنسان على جميع المنظومة الدينية يكون عند ذلك عالم دين ومن ورثة الأنبياء».

وبعدها يقول: «أما على مستوى سيرة أئمة أهل البيت ، أئمة أهل البيت ، هل ورثونا فقط فروع الكافي أم ورثونا فروع الكافي وأصوله؟ أي منهما؟ لذا تجد أن أمير المؤمنين قال: أول الدين معرفته «ولم يقل كتاب الطهارة، التقليد، المعاملات»».

الفقه في الإصطلاح:

ولإثبات صحة ما يدعيه السيد الحيدري استشهد على كلامه أيضاً بالاصطلاح، حيث نقل عن كتاب المحجة البيضاء للفيض الكاشاني، المجلد الأول ص 81 كتاب العلم بيان ما بدل من ألفاظ العلوم ما يلي: حيث قال أي الكاشاني: «اللفظ الأول الفقه، فقد تصرفوا فيه بالتخصيص لا بالنقل والتحويل، إذ خصصوه بمعرفة الفروع في الفتاوى، والوقوف على دقائق عللها واستكثار الكلام فيها، وحفظ المقالات المتعلقة بها، فمن كان أشد تعمقاً فيها، وأكثر اشتغالا بها، يقال هو الأفقه، ولقد كان أسم الفقه في العصر الأول مطلقاً - أي يطلق - على علم الطريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس، ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب، ويدلك على ذلك، قوله: «ليتفقهوا ولينذروا» وما به الإنذار والتخويف هو هذا العلم، وهذا الفقه دون تفريعات الطلاق واللعان والسلم، والإجارة، فذاك لا يحصل به إنذار ولا تخويف».

وفي نهاية حديثه عن هذه النقطة لخص السيد كمال الحيدري رأيه بقوله: «أننا نعتقد أننا لا بد أن نميز بشكل واضح بين المرجع الديني بالمعنى الذي أشرت إليه، وبين المرجع في مسائل الحلال والحرام، فهذا يقوم بدور، وذاك يقوم بدور آخر، ولا داعي لهذا اللغط الذي سمعتموه في الآونة الأخيرة».

المناقشة:

لا أجد أي استنكار على ما قاله السيد كمال الحيدري حفظه الله في هذه النقطة بالخصوص، فلماذا نجد الحساسية الكبيرة على كلماته في تمييزه بين عالم الدين، وعالم الفقه بالمعنى الاصطلاحي للفقه، خصوصاً وأنه أستدل على رأيه بالقرآن الكريم وببعض كلمات المفسرين، وببعض الرويات، وبالاصطلاح، حيث نقل عن الفيض الكاشاني أنه قال: أن الفقه هو من المصطلحات التي بدلت.. فهل هناك يا ترى أي إشكال على ما أورده في كلامه هذا؟

مع العلم بأن السيد كمال حفظه الله ليس منفرداً في هذا الرأي، حيث أن الشيخ محمد مهدي شمس الدين يرى نفس هذا الرأي في كتابه تجديد الفكر الإسلامي، إذ يقول: «المرجعية في الدين أمر أكبر وأجل من أن يكون مرجعية في الشريعة. المرجع في الشريعة مجتهد جامع للشرائط، وهذا يكفي. أما المرجع في الدين. فهو تجاوز مستوى الحكم الشرعي إلى المفهوم الشرعي. معرفة المفاهيم. والمرجعية في المفاهيم تحتاج إلى مستوى من الإحاطة والعمق، والشمولية تتجاوز كفاءات الفقيه. وهذه النقطة غامضة. يجب أن نفرق بين المرجع في الشريعة، وبين المرجع في الدين. المرجع في الدين هو أوسع دائرة وأعم مسؤوليةً من المرجع في الشريعة» [1] . إن هذا الكلام لا يختلف عن كلام السيد كمال الحيدري سوى في الألفاظ فقط، وإلا فهو من ناحية المضمون واحد، حيث يستخدم الشيخ شمس الدين عبارة المرجع في الدين مقابل المرجع في الشريعة، ويستعمل السيد الحيدري عبارة المرجعي الديني، مقابل المرجع الفقهي أو المرجع في الحلال والحرام، وكلاهما يؤديان إلى نتيجة واحدة.

قد يقول قائل: المشكلة أن السيد الحيدري كان يقصد بكلامه هذا بأن علمائنا الأعلام ومراجعنا الكرام هم ليسوا مراجع دين بل مراجع فقه بالمعنى الاصطلاحي للفقه، وهنا تكمن المشكلة؟ ولهؤلاء أقول: أننا إذا كنا نعتقد أن المرجعية الدينية التي ننتسب إليها هي مرجعية دينية شاملة وليست مرجعية فقهية بالمعنى الاصطلاحي، فإن علينا أن نثبت ذلك - على الأقل لأنفسنا - حتى نتأكد ونطمئن، ولا علينا بعدها من ما يقصده السيد بكلامه، ولكن المشكلة أن كثيراً من المرجعيات الدينية لو راجعنا تراثها، فإننا لن نجد تركيزاً واهتماما إلا في الفقه بالمعنى الاصطلاحي "مسائل الحلال والحرام" بتعبير السيد الحيدري أو في "الشريعة" بتعبير الشيخ شمس الدين.

لذا فلنترك السيد كمال وتأويلات كلامه جانباً، ولا نتعجل الحكم عليه، ولنبحث عن واقع مرجعياتنا الدينية من حيث دروسها وأبحاثها وتأليفاتها واهتماماتها، هل هي منصبة فقط على الفقه بالمعنى الاصطلاحي أم هي منصبة على جميع الجوانب الدينية الأخرى؟! لأن هذا الموضوع هو الأهم، وبعدها علينا أن نقرر ونقيم صحة كلامه من عدمه.

المعارف الواجب توفرها في العالم الديني:

السيد كمال الحيدريبعد أن بين السيد كمال الحيدري حفظه الله رؤيته في التمييز بين الفقه القرآني والفقه الاصطلاحي، والفقيه بالمعنى القرآني والفقيه بالمعنى الاصطلاحي، أنتقل للحديث عن ما أسماه الشروط الواجب توفرها في العالم الديني وفق نظريته، إذ تساءل قائلاً: «ما هي أهم المعارف والمحاور في المعرفة الدينية؟ هذا الذي اصطلحت عليه في كتاب التفقه في الدين، وهو أنه تحديد دائرة التفقه، ما الذي نحتاج إليه حتى نطلق على الشخص بأنه عالم دين، ومرجعٌ ديني».

وفي مقام الإجابة على هذا التساؤل قال: «هناك ثلاثة محاور أساسية لكي نطلق على العالم بأنه عالم دين، ومن ورثة الأنبياء، وأنه من حصون الإسلام، وأنه من ثغور الدين والفكر الديني، لا بد أن يتوفر - أي عالم الدين - على علوم ثلاثة أساسية وهي:

العلم الأول: المعرفة بكلام الله «التفسير»: «أي» أن يقف كاملاً على المنظومة التفسيرية، بما تشتمل عليها من مقدمات. التفتوا جيداً - والكلام للسيد الحيدري - أنا «لم» أتكلم في المقدمات، لأنه لكل باب من هذه الأبواب مقدمات»..

ولتقريب هذا المطلب إلى الذهن يقول: «أنظروا الآن نحن عندما نأتي لكي يكون الإنسان فقيهاً في الحلال والحرام - يعني في الرسالة العملية - ماذا يحتاج؟ «لا يكفي فقط أن» يأخذ وسائل الشيعة، بالإضافة إلى ذلك لا بد أن يعرف اللغة، لابد أن يعرف الصرف، لا بد أن يعرف البلاغة، لابد أن يعرف علم أصول الفقه، ولا بد أن يعرف علم الرجال، هذه كلها مقدمات، ولكن إذا تبحر الإنسان في اللغة، في النحو، في الصرف، في البلاغة، في علم الأصول، في علم الرجال وكلها، ولكن لم يجتهد في الفقه، لا يسمى عالم فقه، وإن تبحر في المقدمات، إذاً أنا عندما أقول بأنه هذه المحاور الثلاثة لا أريد أن أتكلم على مستوى المقدمات، لأن لكل محور من هذه المحاور الثلاثة مقدماته الخاصة به».

ويضيف قائلاً: «إذاً «لابد» أن يكون «العالم» على دراية كاملة بالتفسير، كما يكون له دراية كاملة بوسائل الشيعة، كيف الآن أي فقيه لو سألته هذه الفتوى من أين تقولها؟ يقول: للصحيحه الكذائية، للحسنة الكذائية، للمعتبرة الكذائية، يعني بتعبير سيدنا الأستاذ الشهيد الصدر يقول: "أن الفقه كالعجينة في يدي"، لابد أن يكون التفسير ومعرفة التفسير كالعجينة في يده «أي العالم الديني»».

ويتساءل السيد كمال حفظه الله بعدها قائلاً: ماذا أعزائي التفسير؟ ويقصد بالطبع أنه لماذا وضع التفسير من ضمن العلوم المهمة الواجب توفرها لدى ما يسميه عالم الدين.

ويجيب على هذا السؤال قائلاً: «لأن أئمة أهل البيت بعد أن أبلغونا أنه وقع في كلامهم دس، وقع في كلامهم تزوير، وقع في كلامه وضع، صرحوا فلان وفلان وفلان وضعوا في روايات أبي، لعنوا كثيراً من الوضاعين، وهذه كلها تكشف أن عملية الوضع كانت واسعة النطاق في ذلك الزمان.. لا يتبادر إلى الذهن أن عمليات الوضع مختصة بالاتجاه الآخر، أبداً عملية الوضع كانت موجودة في الواقع الشيعي...».

ويردف قائلاً: «أبلغونا - أي الأئمة - أن هناك وضع ودس وتزوير، أبلغونا أن كثيراً من الأصحاب كانوا ينقلون الروايات بالمعنى، أبلغونا أنه وقع تقطيع، - أنتم تعلمون أن صاحب الوسائل قطع الروايات - أبلغونا كلموا الناس على قدر عقولهم، أبلغونا أن هناك تقية في كلماتهم.. جيد كيف هذه الموسوعة من الروايات، عشرات الآلاف من الروايات، كيف نميز الصحيح من السقيم فيها، والمعلول من السليم فيها؟ الجواب أعطونا ضابطة واحدة: قالوا اعرضوا كلامنا على كتاب ربنا، فإن وجدتم عليه شاهد أو شاهدان فقلناه، وإلا فهو زخرف لم نقله أرموا به عرض الجدار وغيرها من النصوص.. بينكم وبين الله لمن لم يقف على القرآن ومعارف القرآن ونصوص القرآن والآيات القرآنية، ويعرف الناسخ من المنسوخ، المحكم من المتشابه، القرآن يفسر بعضه بعضاً، كيف يمكنه أن يعرض كلام الأئمة على القرآن الكريم».

إذاً - والكلام للسيد الحيدري - «الأصل الأول: عالم الدين لابد أن يكون صاحب تفسير، يعني ليس أن يكتب تفسير، «بل المهم أن يكون عنده» إلمام كامل «بالتفسير»، إن لم أقل لا بد أن يكون مجتهداً «في التفسير»، لأنني أعتقد أن التفسير من المقدمات القريبة لا من المقدمات البعيدة حتى يستند فيها إلى أهل الخبرة».

أما المحور الثاني الذي ذكره السيد كمال هو العقائد، وفي هذا المحور يقول: «كيف يمكن أن يكون العالم حصناً للإسلام، ثغراً للإسلام، يسد الهجمات. أي هجمات؟ يا ليت كانت هجمات بالسنان والسلاح ونحو ذلك، هذه هجمات فكرية، هجمات ثقافية، هجمات عقائدية، وأنتم تعلمون الهجوم الكبير الذي تتعرض له مدرسة أهل البيت ».

والمحور الثالث والأخير الذي تحدث عنه السيد كمال الحيدري، هو المعرفة بالحلال والحرام، وهنا كما يقول لا يعني مسائل الحلال والحرام الموجودة في الرسالة العملية فقط، بل يقصد المعنى الأوسع، وفي ذلك يقول: «هنا لا بد أن أصرح وأقولها بشكل واضح وصريح أن جملةً، أن عدداً، أن قسماً، أن قسطاً من الرسائل العملية أطمئنوا بأنها عفى عليها الزمن، سقطت فائدتها، لماذا؟ افترضوا الآن مسائل الحج الموجودة في العروة الوثقى كثير منها - الحق والإنصاف أن صاحب العروة السيد كاظم اليزدي قدس الله نفسه واقعاً عندما طرح المسائل في الحج كان ناظراً إلى مسائل عصره - ولكن مع الأسف الشديد أننا إلى الآن نعلق على مسائل العروة الوثقى التي عفى عليها الزمن، الآن هناك مسائل جديدة مرتبطة في الحج، وإذا أردنا أن نكتب مسائل الحج علينا أن نكتب فيها، إذا أردنا أن نكون بمستوى صاحب العروة الوثقى».

البعض يتصور - والكلام للسيد كمال الحيدري - أنه عندما أقول بأن المسائل التي عرض لها صاحب العروة انتهى دورها، «أن» هذه إهانة، أن هذا تسقيط. أبداً أنا أريد أن أقول أن ذلك الإنسان كان عارفاً بزمانه، ونحن الذين لم نقف على مقتضيات زماننا وحاجاتنا الفعلية، وكثير من المسائل الموجودة في الرسائل العملية فاقدة للبعد العملي، مع أنها رسالة أسمها عليها "رسالة عملية". ولذا تجدون كثرة عندنا الاستفتاءات، «هل» سأل أحد نفسه لماذا الآن كثرة الاستفتاءات وأن الكتب التي تأتي في أجوبة الاستفتاءات حجمها أضعاف الرسالة العملية؟ الجواب: لأن المكلف عندما يحتاج لمسألة، ويرجع للرسالة العملية لا يجد حاجته، ولذلك مضطر لئن يستفتي المرجع مع أن الرسالة العملية لا بد أن تكتب بحسب حاجة الناس هذا أولاً».

«ثانياً: هنا تصور ووهم خاطئ أنه عندما نقول بالحلال والحرام البعض يتصور الحلال والحرام في المسائل الفردية، صلاتك أشلون، صيامك أشلون، حجك شلون، عبادتك شلون، خمسك شلون، زكاة شلون، بيعك شلون، هذا جزء من الحلال والحرام. أين ذهبت مسائل الحلال والحرام ما ينبغي ومالا ينبغي في الأمور الإجتماعية؟ أين ذهب الحلال والحرام في العلاقات الدولية؟ الآن عشرات من الشركات التي تتعامل مع العدو الصهيوني ليقتلوا وليتسلطوا على رقابنا، أيجوز أن نذهب لهذه الشركات ونتعامل معها مع أننا نجد أننا عندما نتعامل معها نقويها فهو نحو من الإعانة على الإثم؟ يا ليت إثم فردي، أسأل سائل ذلك؟ أكتب مرجع في رسالته العملية متى يجوز ومتى لا يجوز؟».

ومن ثم يقول السيد الحيدري حفظه الله: «أرجع وأقول: لا أتكلم في المصداق، قد يقول قائل: أن المرجع الفلاني أو الكذائي هذا مجتهد في جميع المعارف الدينية. جيد أنا لا علاقة لي بالمصداق، هذا تكليف المكلف هو يعينه، أنا أبين النظرية، المفهوم، المشروع الذي أتبناه واعتقده وأدافع عنه».

إذاً - والكلام للسيد الحيدري - «عندنا مجتهد مطلق: وهو الذي اجتهد في جميع المعارف الدينية، وعندنا مجتهد متجزي وهو قد يكون مجتهد متجزي في العقائد دون الفقه، وهناك «متجزي» عالم بالحلال والحرام بكل أبوابها الفردية والاجتماعية والعلاقات والدولية والسلم والحرب «ولكن» يبقى مجتهد متجزي، فإذا اجتهد في بعض الأبواب الفقهية فهو متجزي من المتجزي».

بعدها يتحدث السيد حفظه الله عن الفلسفة والعرفان ويضع التساؤل التالي قائلاً: «قد يتساءل سائل: لم تقولوا شيئاً عن الفلسفة؟ لم تقولوا شيئاً عن العرفان؟ الجواب: أنني من المعتقدين بأن الفلسفة والعرفان هما: من الأدوات الأساسية لفهم النص الديني، كما من يريد أن يعرف علم الفقه فعليه أن يعرف علم أصول الفقه والنحو والصرف.. الفلسفة والعرفان لهما ضرورة لفهم النص الديني وليس بديلاً عن النص الديني، كذلك الأمر بالنسبة لعلم الأصول الذي هو مقدمة لفهم الفقه، ولذلك أنا دعوت لعلم أصول العقائد».

المناقشة:

تحدث السيد كمال الحيدري حفظه الله عن الشروط الواجب توفرها في المرجع الديني، وذكر منها ضرورة إلمامه بعلم التفسير، وعلل أهمية ذلك بقوله: لكي يعرض الروايات على القرآن فإن وافقتها وإلا ضرب بها عرض الحائط، وتكلم في المحور الثاني عن علم العقائد وعلل أهميته قائلاً: لكي يكون العالم حصناً للإسلام أمام الهجمات الفكرية للأعداء، وبعدها تكلم عن علم الفقه قائلاً: بأنه لا يعني بالفقه هنا الفقه الموجود في الرسالة العملية، وقال أيضاً: بأنه لا يعني مسائل الحلال والحرام المتعلقة بالمسائل الفردية فقط بل يضم معها مسائل الحلال والحرام المتعلقة بالمسائل الاجتماعية، وبعدها أشار للفلسفة والعرفان وقال هما ضروريان لفهم النص الديني.. هذه خلاصة ما قاله السيد في هذه النقطة.

والحقيقة أن الكثير من الأفكار التي قدمها السيد كمال حفظه الله قد طرحها غيره من علمائنا الأعلام، فهي ليست أفكار جديدة تقدم لأول مرة في تاريخ التشيع، وبالخصوص الأفكار التي قدمها وهو يتكلم عن علم الفقه، حيث تجد أمثال أو أشباه هذه الأفكار، موجودة عند كلاً من السيد الخميني، والشهيد الصدر، والشيخ محمد مهدي شمس الدين، والسيد محمد حسين فضل الله وغيرهم، وسوف نذكر نماذج على ذلك فيما سيأتي.

الرؤية الفقهية للسيد الخميني:

يتحدث السيد الخميني حفظه الله موضحاً رؤيته الفقهية في بعض خطاباته قائلاً: «أما بالنسبة للدروس والبحوث داخل الحوزات فاني أؤمن بالفقه التقليدي والاجتهاد الجواهري، وأرى عدم جواز التخلف عنه. الاجتهاد بهذا النهج صحيح، ولكن لا يعني هذا أن الفقه الإسلامي يفتقر إلى المرونة، بل أن الزمان والمكان عنصران رئيسيان في الاجتهاد، فمن الممكن أن تجد مسألة كان لها في السابق حكماً، وأن نفس المسألة تجد لها حكماً جديداً في ظل العلاقات المتغيرة والحاكمة على السياسة والاجتماع والاقتصاد في نظام ما. أي أنه ومن خلال المعرفة الدقيقة للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المحيطة بالموضوع الأول الذي يبدو أنه لا يختلف عن السابق، ولكنه في الحقيقة أصبح موضوعاً آخر يتطلب حكماً جديداً بالضرورة. ولهذا ينبغي للمجتهد أن يكون محيطاً بقضايا عصره. فالناس والشباب وحتى العامة، لن يقبلوا من المرجع والمجتهد الاعتذار عن إعطاء رأي في المسائل السياسية.. إن الإحاطة بسبل مواجهة التزوير والتضليل للثقافة السائدة في العالم، وامتلاك البصيرة والرؤية الاقتصادية، والاطلاع على كيفية التعامل مع الاقتصاد العالمي، ومعرفة السياسات والموازنات وما يروج له الساسة، وإدراك موقع القطبين الرأسمالي والماركسي ونقاط قوتهما وضعفهما، إذ أنهما يحددان في الحقيقة استراتيجية النظام العالمي؛ إن كل هذا يعتبر من خصائص وسمات المجتهد الجامع.. فلا بد للمجتهد من التحلي بالحنكة والذكاء وفراسة هداية المجتمع الإسلامي الكبير وحتى غير الإسلامي. ويجب أن يكون مديراً ومدبراً حقاً فضلاً عن اتسامه بالخلوص والتقوى والزهد الذي هو من شأن المجتهد» [2] .

نلاحظ هنا تشابه كلام السيد الخميني رحمه الله مع السيد كمال الحيدري، حيث يقول الأخير أنه لا يعني بالفقه مسائل الحلال والحرام في المسائل الفردية الموجودة في الرسائل العملية، ويتساءل مستنكراً بقوله: «أين ذهبت مسائل الحلال والحرام ما ينبغي ومالا ينبغي في الأمور الإجتماعية؟ أين ذهب الحلال والحرام في العلاقات الدولية؟» في حين يقول السيد الخميني «ينبغي للمجتهد أن يكون محيطاً بقضايا عصره. فالناس والشباب وحتى العامة، لن يقبلوا من المرجع والمجتهد الاعتذار عن إعطاء رأي في المسائل السياسية».

الرؤية الفقهية للشهيد السيد محمد باقر الصدر:

تحدث الشهيد الصدر في نقد رؤية الفقهاء التقليديين في انحسار الفقه في المجال الفردي وعدم انفتاحه على المجتمع - وهي نفس النقطة التي تحدث عنها السيد كمال الحيدري - قائلاً أي الشهيد الصدر: «هذا الاتجاه الذهني لدى الفقيه لم يؤد فقط إلى انكماش الفقه من الناحية الموضوعية بل أدى بالتدريج الى تسرب الفردية الى نظرة الفقيه نحو الشريعة نفسها، أي إن الفقيه وبسبب ترسخ الجانب الفردي من تطبيق النظرية الاسلامية للحياة في ذهنه واعتياده أن ينظر الى الفرد ومشاكله، عكس موقفه هذا على نظرته الى الشريعة فاتخذت طابعاً فردياً، وكأن الشريعة ذاتها كان تعمل في حدود الهدف المنكمش الذي يعمل له الفقيه فحسب وهو الجانب الفردي من تطبيق النظرية الاسلامية للحياة».

وفي معرض تعليقه على فهم النص، أشار السيد الشهيد أيضاً الى الذهنية الفردية، وانكماش الذهنية الإجتماعية وللحد الذي لم يعد بإمكان البعض الانسلال من فهم كلمة " الأسد" مثلا في سياقها الاجتماعي، وانحساره الى الجانب الفردي المطلق، أي الجانب العبادي للفرد، فيقول: «فاللفظ قد يصلح للتعبير عن عدد المعاني ولكنه يظل ظاهراً في معنى خاص من تلك المعاني كلفظ الأسد قد تستخدمه للتعبير عن الحيوان المفترس فتقول «الأسد ملك الغابة» وقد تستخدمه للتعبير عن شجاعة الإنسان فتقول: هذا الانسان أسد...» ويضيف قائلاً: «إذا كان النص مرتبطاً بالعبادات فيجب فهمه على أساس لغوي ولفظي فقط، ولا يجوز أن يفهم على أساس ارتكاز اجتماعي مسبق... ويأتي دور الفهم الاجتماعي للنص حين ينتهي دور الفهم اللفظي واللغوي له. فإن الفقيه في الدرجة الأولى يحدد المعطى اللغوي واللفظي للنص، ثم بعد أن يعرف معنى اللفظ يسلط عليه الارتكاز الاجتماعي ويدرس المعنى بالذهنية الاجتماعية المشتركة، «مناسبات الحكم والموضوع» فتظهر له من النص أشيء جديدة لم تكن على مستوى الدرجة الأولى في حدود الفهم اللغوي للفظة» أي «إذا فهمنا النص فهماً اجتماعياً فسوف نكون أقرب الى واقع الحدود المحتملة لتلك الأحكام» [3] .

الرؤية الفقهية للشهبد الصدر الثاني محمد محمد صادق الصدر:

تتردد في كلمات الشهيد الصدر الثاني محمد محمد صادق الصدر عبارة الحوزة الساكتة أو الصامتة في إشارة منه، ونقد للعلماء الصامتون وهذا ملاحظ في الأشرطة المسجلة له، وكذلك وصف المنتسبين للحوزة بـ الذين غلبت عليهم «الأنانية جيلاً بعد جيل» حسب تعبيراته رحمه الله وممن أسماهم «علماء الاستخارة» و«مراجع الحقوق» الذي لا يجيدون سوى أربعة أشياء هي: إمامة الجماعة، والدرس، وجمع الحقوق، وإصدار الفتاوى، التي غالباً ما تتعلق بالأحكام الفردية وأحكام الشكوك ومسائل التخلي والنجاسة والطهارة». [4]  وهذه الرؤية في مجملها تشابه إلى حد ليس بالقليل رؤية السيد الحيدري حفظه الله تعالى.

الرؤية الفقهية للشيخ محمد مهدي شمس الدين:

تحدث الشيخ محمد مهدي شمس الدين في كتابه التجديد في الفكر الإسلامي عن رؤيته الفقهية، وهي رؤية تتطابق في بعض أجزائها مع نظرية السيد كمال الحيدري، خصوصاً فيما يتعلق بتركيز الفقه في المجال الفردي وإهماله للمجال الاجتماعي، وفي ذلك يقول: «إن الفقيه يجب أن يكون ملماً بقضايا عصره ومشاكل مجتمعه أو مشاكل البشر المعاصرين، ومن الأمثلة الشائعة في هذه الأيام أن نتحدث عن كل ما يتصل بقضايا البيئة، مثلاً، غير أنه لا يوجد في الفقه الإسلامي بوجه عام، الفقه التقليدي المدرسي، لا يوجد فقه بيئي، إذا صح التعبير، وهذه مسألة تثار حولا إشكاليات كثيرة، كأن يأتي ممول أو شركة وطنية أو مختلطة أو أجنبية وينشئ مصنعاً ويلوث البيئة بنفاياته، ففي الفقهاء من يقول - حسب الفقه التقليدي - نعم، هذا عمل مشروع، لأن الناس مسلطون على أموالهم وليس من حقنا أن نمنعهم، بينما في رؤية فقهية أخرى لتفاعلات كل عمل بشري مع المجتمع يمكن أن يكون بالفعل هناك اجتهاد مخالف بأن نمنعه، فهو ليس مسلطاً على أمواله بشكل مطلق» [5] .

أما عن المناهج فيقول رحمه الله: «أن مناخ الاجتهاد تحتاج إلى إعادة نظر، ويبدو لي أن هناك نقصاً منهجياً، لا أقول خللاً منهجياً، يوجد نقص منهجي، مثال على ذلك وهو مثال كبير وخطير، ما تعارف عليه الفقهاء من اعتبار أن آيات الأحكام في القرآن الكريم هي خمس مئة وبضع آيات بينما نحن نلاحظ أولاً: أن نسبة الخمس ماية، نسبة آيات الأحكام إلى جميع كتاب الله العزيز هي أقل من العشر، وهو أمر مثير للتساؤل أن يكون أكثر من تسعة أعشار الكتاب الكريم مواعظ وقصصاً وعقائد وأن تكون آيات الأحكام أقل من عُشر، أمر مثير للتساؤل، علماً بأن آيات العقائد المباشرة هي أقل بكثير من العشر أيضاً، يبقى كل ما بقي، أكثر من ثمانية أعشار الكتاب الكريم قصص ومواعظ، إنه أمر يحتاج إلى بحث. في التدقيق، أدعي، والله تعالى أعلم ونسأل العصمة، أن آيات الأحكام هي أكثر بكثير مما تعارف عليه الفقهاء والأصوليون».

ويتحدث عن ما يتصل بفقه الأفراد فيقول: «إن الفقهاء رضوان الله عليهم والأصوليين القدماء جزاهم الله عنا خيراً، انطلقوا في تعاملهم مع القرآن باعتباره فقط آيات الأحكام المباشرة التي يتعاطونها، وهي ما يتصل بفقه الأفراد؛ عبادات الفرد؛ تجارة الفرد، جريمة الفرد، الأسرة، لا أعرف لماذا غفلوا عن البعد التشريعي للمجتمع وللأمة في المجال السياسي والتنظيمي وللعلاقات الداخلية في المجتمع وعلاقات المجتمع مع المجتمعات الأخرى غير المسلمة....» [6] .

وتحدث الشيخ شمس الدين عن الفتاوى الفقهية قائلاً: «إن الفتوى المجردة تحدد التكليف الشرعي الفوقي، التكليف الشرعي في مستوى التجريد، لا التكليف العملي «الحركي» الذي لا بد أن ترتكز فيه الفتوى العملية على الوقائع الميدانية والمعطيات القائمة على أرض الواقع» [7] . وهذا هو نفس ما قاله السيد كمال الحيدري حفظه الله، ولكن بأسلوب آخر وبعبارات أخرى.

أما فيما يتعلق بالفلسفة، فإننا نجد أن الشيخ محمد مهدي شمس الدين يختلف مع السيد كمال الحيدري، ففي الوقت الذي نجد السيد كمال يقول: بأنها مع العرفان ضرورية لفهم النص الديني، يرى الشيخ شمس الدين بأن الفلسفة أثرت في علم أصول الفقه مما ساهم في شل الفقه الإسلامي في جوانب كثيرة، حيث يقول: «في علم الأصول حدث خلل، برأيي، وهو أن علم الأصول تأثر في وقت مبكر جداً بعلم الكلام والفلسفة فاصبح شيئاً فشيئاً مقصداً بذاته، بينما هو آلة، مجرد منهج، وسيلة، وازداد تعقيداً بدخول المصطلح الفلسفي ومناهج البحث الفلسفي، كأن نبحث عن أصالة الوجود أو أصالة الماهية مثلاً ضمن مسألة أصولية نتعامل فيها مع نص منطوق موحى به في السنة أو الكتاب...»، ومن ثم يقول: «فنحن أصبحنا في علم الأصول، في كثير من الحالات، نذهب بوسيلة إلى غاية أخرى، وتحول علم الأصول في كثير من الموارد إلى غاية بحد ذاته، وهذه ناحية شديدة الخطورة وأعتقد أنها شلت الفقه الإسلامي في جوانب كثيرة وانعكست على وضع الأمة وعلى العقل المسلم...» [8] .

وقبل أن يقول هذا الكلام تكلم الشيخ شمس الدين عن علم الأصول قائلاً: «لقد صيغ علم الأصول وفقاً لهذه الرؤية، لا أريد أن أقول إن علم الأصول بحسب أصل وضعه كان فيه خلل، فهذا بحث آخر عظيم الأهمية، ولكن علم الأصول - باعتباره أساسياً من مكونات الاجتهاد - يجب أن يستجيب لرؤية فقهية أوسع من الرؤية السائدة الآن، وهذا يقتضي أن يفحص الفقهاء والأصوليون الشيعة الإمامية في القرنين الأخيرين تطويراً مهماً في اتجاه العمق، خرج به في كثير من الأبحاث عن مجاله الأصلي، وهو الشريعة، ليجعل منه بحثاً فلسفياً - كلامياً تجريدياً، لا علاقة له بقضايا الاستنباط من الكتاب والسنة، من دون أن يساهم هذا على الإطلاق في توسيع مجال الاستنباط الفقهي» [9] .

وهذا الكلام لم يقله فقط الشيخ شمس الدين، إذ نجد ما يشبهه عند السيد محسن الأمين رحمه الله حيث يقول: «إن المجتهدين في النجف الأشرف انهمكوا في علم الأصول والفقه إلى درجة الإفراط، ويضرب على ذلك مثلا بالميرزا حبيب الله الرشتي المتوفي سنة 1312هـ الذي كان أعظم المجتهدين تدريساً في زمانه، وكان يعمد في درسه الى التطويل العجيب حتى قيل إنه بقي في تعريف البيع شهوراً، وكان ذلك مألوفاً في ذلك الزمان، ولكنه في رأي السيد محسن الأمين من قبيل تضييع العمر في ما لا فائدة فيه ويقول السيد محسن الأمين إن عشرات المجلدات الضخمة كتبت في علم الأصول، فكان ذلك تعقيداً للعلم وتبعيداً لا تعبيداً»، ولو كانوا قد نقحوا تلك الكتب وهذبوها لكان عشرها كافياً» [10] .

وكذلك نجد مثل هذا الرأي أيضاً عند السيد محمد حسين فضل الله رحمه الله، حيث يقول: «إن الاستغراق في الجانب العقلي الموجود في علم الأصول خاصة عند الشيعة، وبعد تطور المدرسة الأصولية عندهم، ربما يبعد الفقيه عن الصفاء والفهم المعرفي للنص، ونحن نعرف أن النص يقوم أصلا على أساس الفهم المعرفي ولكن بعض الناس تجده يتعاطى مع النصوص كما لو كانت خطوطاً هندسية جامدة، بينما نعتبر أن النص حالة متحركة وفي تفاعل دائم مع الحياة.. الأمر الذي أنشأ فجوة بين مضمون الفكر الأصولي، وبين الآفاق التي يطل عليها الحكم الشرعي ويتحرك في إطارها، وهذا هو الذي أدى إلى أن يبتعد الكثيرون من الفقهاء، عن الذهنية العفوية التي تستطيع أن تفهم بطريقة طبيعية، وربما أصبح بعضهم يرون أن تعقيد الألفاظ هو أساس في العلم، بحيث أن الإنسان لو كتب نظرية أصولية بأسلوب مفهوم فإنهم لا يعتبرونه أسلوباً عملياً كما إنهم يرون الإنسان الذي يفهم النص بطريقة عقلانية سطحياً غير متعمق، لأنهم يتعاملون مع النصوص ويدرسونها دراسة هندسية وعلى أساس السنتيمترات..» [11] .

ويقول أيضاً: «إن للمفاهيم الدور الكبير في فهم النصوص الشرعية لأنها تمثل القاعدة الفكرية للتشريعات المختلفة، ولكن المشكلة أن الفقهاء يتناولون جسم النص ولا يتناولون روحه على أساس تعاملهم الضيق مع المفاهيم» [12] .

وحول هذه النقطة التي طرحها السيد محمد حسين فضل الله، بودي أن أشير إلى نقطة هامة لم يتطرق لها السيد الحيدري، وقد ذكرها كلاً من السيد فضل الله والشهيد السيد محمد باقر الصدر، وهي أن الفقه والأصول غير كافيان، لأنهما بتعبير السيد فضل الله لا يتناولون روح النص، وبتعبير السيد الشهيد الصدر يملئان العقل ولا يملئان الضمير، حيث يقول السيد الصدر وهو يتحدث عن مطالب الفقه والأصول قائلاً: «إن مطالب الفقه والأصول تملا عقل الإنسان ولكنها لا تملا ضميره ولا تملا وجدانه، أي إن العالم إذا انكب على الفقه والأصول فقط فسوف يمتلئ عقله علماً ولكن ضميره أو وجدانه قد يبقى فارغاً» [13] ، وكنت أتمنى أن أعرف وجهة نظر السيد كمال حفظه الله حول هذه النقطة بالتحديد، لأنني أراها من النقاط الهامة التي ينبغي أن تثار وتناقش.

هل أهان السيد كمال الحيدري العلماء؟

قد يقول قائل: بأن كلام السيد الحيدري فيه إهانة للعلماء، وإلا ماذا تسمي تمييزه بين عالم الحلال والحرام وعالم الدين، أليس جميع علمائنا هم علماء دين وليسوا علماء حلال وحرام؟ إن كلامه هذا تشكيك في قدرة العلماء العلمية، حيث يجعل العامة والبسطاء تشكك في علميتهم وشرعية تقليدهم.

نقول: إذا كان السيد الحيدري قد وصف بعض العلماء بأنهم علماء حلال وحرام وليسوا علماء دين، فإن السيد الخميني رحمه الله قد وصف بعضهم كما ينقل عنه بـ علماء الحيض والنفاس، وقال عنهم المتربشين، المبرقين بالقدسية، الأفاعي الرقطاء، الليني الملمس، الأغبياء، المتخلفين، الذي قصموا ظهر النبي والذين فيهم مرتزقة وعملاء وفيهم من هو أسوأ من شمر وأسوأ من يزيد معاوية وغيرهم من المعممين اللاهثين وراء بطونهم. [14] فماذا نسمي كلمات السيد الخميني هذه؟ هل نعتبرها أيضاً إهانة للعلماء أم لا؟!!

وكذلك ماذا نسمي قول الشهيد السيد محمد باقر الصدر في خطاب المحنة الشهير بأن الحوزة ظهر إفلاسها، والمسؤولية في ذلك على المنتسبين لها قبل أن تكون مسؤولية غيرهم[15] . فمن هؤلاء المنتسبين المسئولين عن إفلاس الحوزة الذي قصدهم الصدر؟ أليس هؤلاء من العلماء؟! هل نعتبر هذه الكلمات إهانة للعلماء أم لا؟ بالإضافة إلى هذه الكلمات رأيت عبارات أخرى للشهيد الصدر يصف فيها أوضاع الحوزة، وهي عباراته في رسالة بعثها للشيخ الدكتور عبد الهادي الفضلي رداً على رسالة بعثها الأخير له بعد سفره من النجف الأشرف، يقول فيها: «والواقع أن مما يحز في نفسي أن أتكون أوضاع الحوزة بشكل يزهد في الإقامة فيها أمثالكم ممن يرفع الرأس عالياً، ويُشكل رقماً من الأرقام الحية على عظمة هذه الحوزة التي تتيح - رقم كل تبعثرها، أن ينمو الطالب في داخلها بجهده الخاص إلى أن يصل إلى هذا المستوى المرموق فضلاً وأدباً وثقافاً. وعلى أي حال، سواءً ابتعدت عن الحوزة مكاناً أو قربت، فأنت من آمال الحوزة ومفاخرها، وأرجوا أن لا يكون انقطاعك عنها إلا شيئاً عرضياً» [16] . ما هي هذه الأوضاع التي تكلم عنها الشهيد الصدر في هذه الرسالة؟ هل تعني كلماته هذه أنه كان راضياً عن أوضاع الحوزة وعلمائها؟! هل نعتبر عباراته إهانة للحوزة ولعلمائها؟!

كذلك، ماذا نفهم ما تردد في كلمات الشهيد الصدر الثاني محمد محمد صادق الصدر من استخدامه لعبارة الحوزة الساكتة أو الصامتة في إشارة منه، ونقد للعلماء الصامتون وهذا ملاحظ في الأشرطة المسجلة له، وكذلك وصف المنتسبين للحوزة بـ الذين غلبت عليهم «الأنانية جيلاً بعد جيل» حسب تعبيراته رحمه الله وممن أسماهم «علماء الاستخارة» و«مراجع الحقوق» الذي لا يجيدون سوى أربعة أشياء هي: إمامة الجماعة، والدرس، وجمع الحقوق، وإصدار الفتاوى، التي غالباً ما تتعلق بالأحكام الفردية وأحكام الشكوك ومسائل التخلي والنجاسة والطهارة». [17]  ماذا نعتبر هذه الكلمات؟ هل نعتبرها إهانة للعلماء أم لا؟! أليست كلمات السيد كمال الحيدري وعبارته علماء الحلال والحرام أخف وألطف من عبارات غيره؟!

معايير اختيار المرجع:

تحدث السيد كمال الحيدري عن مسألة التقليد والمعايير التي تتبع في اختيار المرجع، إذ قال: «من أهم مسائل باب الاجتهاد والتقليد هي مسألة الميزان في تشخيص الأعلم والأكفأ، وعندما أقول الأكفأ لا أتكلم عن البعد الإداري، وإنما أعني الأكفأ علمياً والأقدر علمياً أن يكون حصناً للإسلام، وحصناً لمدرسة أهل البيت . إذاً القضية عندما أعبر الأكفأ، الأعلم، مقصودي الأكفأ والأعلم عن حفظ ثغور مدرسة أهل البيت ، «الأعلم» على أن يدافع عن مباني مدرسة أهل البيت، على أن يجعل الذين يعيشون في دائرة كنف أهل البيت في أمن وأمان فكري وعقدي... وإذا لم يكن المتصدي عالم دين بالمعنى الذي أشرت إليه كيف يمكنه أن يحفظ «الدين»، فاقد الشيء لا يعطيه، كيف يمكنه أن يكون حصناً وسداً منيعاً أمام هجوم الأعداء».

وبعدها شكك السيد كمال الحيدري حفظه الله في فعالية المعايير التقليدية لوحدها في عملية اختيار الأعلم كالشياع، وسؤال أهل الخبرة، إذ يقول: «في اعتقادي في الظروف والمكان الذي نعيش فيه لا يمكن الاعتماد على هذه الضوابط مئة بالمئة «لأنها» لن تنتج النتائج الصحيحة في الأعم الأغلب، وخصوصاً عندما تتوسع الحوزات العلمية».

ويردف قائلاً: «لعله لو كانت عندنا حوزة علمية، وفيه مئة طالب وهناك ثلاثة أساتذة بحث خارج، لعله يمكن لشخص أن يقول هذا الأعلم، ولكن لو أتينا لحوزة كحوزة قم أو حوزة النجف بتاريخها وبأعلامها، كيف يمكن لشخص واحد أن يطلع على تراث كل هؤلاء الأعلام ويشخص بعدها بأن هذا هو الأعلم؟ كيف إذا أضفنا إليها حوزة قم الذي فيها نحو 50 إلى 60 ألف وعشرات من الأستاذة إن لم أقل المئات من الأعلام فيها، كيف يمكن لشخص واحد أو عشرة أو بينه أو عشر بينات «أن تحدد الأعلم»؟ كيف نستطيع أن نقف على كل تراث هؤلاء؟ خصوصاً ونحن نعلم بأن جملة من هؤلاء لا يوجد لديهم تراث مكتوب حتى نراجعه؟ لا بد أن نرجع إلى دروسه وتلامذته حتى نستطيع التشخيص، وهل يعقل «أننا نستطيع مراجعتهم بكاملهم»؟ ولذلك «نجد أنه» في عصر واحد البينة تقول هذا أعلم.. ذاك أعلم، وإذا «نجد» عندنا خمسين بينه تقول هذا أعلم، هذا أعلم، هذا أعلم!!».

أما عن الشياع فيتحدث السيد الحيدري قائلاً: «وأما الشياع في عصر ثورة الاتصالات والفضائيات «فإن» إيجاد الشياع أسهل ما يكون.. «و» هذه لا أريد أن أسقط اعتبارها، ولكن أريد أن أقول أنها ليست طرقاً آمنة ومطمئنة للوصول إلى الهدف».

ويضيف موضحاً قوله: «وجدت كلاماً لأحد كبار المحققين، وبتعبير صاحب الميزان السيد الطباطبائي يعبر عنه بأنه قال: أحد أعاظم المحققين، إشارةً للشيخ محمد حسين كاشف الغطاء رحمة الله تعالى عليه وقدس الله نفسه، ماذا يقول؟ - أي كاشف الغطاء - سُأل عن هذه القضية في كتاب له أسمه الفردوس الأعلى تعليق نفيسه دار المجحة البيضاء ص 79 السؤال الخامس: على القول بوجوب تقليد الأعلم، هل يتعين بالشياع في زماننا هذا، مع شيوع بعض الأغراض الفاسدة من الأغراض السياسية؟» ويعلق السيد كمال بقول: «وهذا الكلام يقوله من سبعين عام الآن لو يخرج من قبره ماذا يقول؟»

ومن ثم يواصل نقله قال «أي السائل»: «أو لا بد من قيام البينة، وإذا تعارضتا فأيتهما مقدمه؟ ويشرح السيد السؤال قائلاً: أي إذا وقع تعارض في الشياع أن فلان هو الأقدر والأكفأ للتصدي أم فلان فما هو الميزان في ذلك؟ ومن ثم يقول الحيدري: يذكر ميزان مهم جداً - يقصد الشيخ كاشف الغطاء بعد مقدمة مفصلة لا أريد أن أشير إليها «لأنها» ستأخذ وقت كثير - يقول: طبعاً السيد القاضي الطباطبائي الذي محشي ينقل هذا الكلام عن الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء عن حاشية له على كتاب سفينة النجاة، يقول: ذكرنا في تعاليقنا على كتاب سفينة النجاة، الجزء الأول ص 28 طبعة 61، ما هو المعيار الصحيح الذي لا ميل فيه ولا حيف.. وخلاصة ذلك: الآن هذه الحاشية ينقلها السيد الطباطبائي محقق الكتاب، هذه الحاشية ينقلها عن الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في تعليقاته على سفينة النجاة يقول: وما أكثر المدعين لهذا المنصب، ولاسيما في هذه العصور التعيسة وما أكثر المخدوعين بهم جهلاً أو لغرض والغرض يعمي ويصم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولقد ذكرنا أن أحسن معيار عن صدق هذه الدعوى وكذبها «صدق المدعي للأعلمية للمرجعية» هو الإنتاج العلمي وكثرة المؤلفات النافعة، وأن طريقة الإمامية من زمن الأئمة إلى عصرنا القريب هو أن المرجعية العامة والزعامة الدينية تكون لمن انتشرت وكثرت مؤلفاته كالشيخ المفيد، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي الذي تكاد مؤلفاته تزيد على الأربعة مئة - «ولكن ليس كلها في الحلال والحرام فقط، في التفسير، والعقائد، ودفع الشبهات، والكلام والحديث» - والشيخ الصدوق الذي لديه ثلاثمائة مؤلف، وهكذا هو الميزان الصحيح، والمعيار العادل إلى زمن السيد بحر العلوم صاحب المصابيح، والشيخ الأكبر صاحب كشف الغطاء إلى الشيخ الأنصاري».

أما بعد الشيخ الأنصاري كما يقول السيد كمال الحيدري: «تجدون أن الأعلام المتصدين عندما تنظر إلى تراثهم خمسين مجلد، سبعين مجلد، مئة مجلد، و.... كلها ذات بعد واحد، وهي في الحلال والحرام.. والحق والإنصاف لا بد أن يقال أن أمثال السيد الإمام، أمثال السيد الخوئي، أمثال السيد محمد باقر الصدر، أمثال أعلام كبار في حوزة قم، الآن لا أريد أن أذكر الأسماء تجدون عندما تنظرون إلى تراثهم أنه كما يشتمل على الفقه والأصول يشتمل على الرجال والتفسير والعقائد».

ويضيف السيد بقوله: «وعندما أقول عقائد لا بد أن تلتفتوا العقائد فيها بعدان أساسيان، البعد الأول: بيان الأصول العقائدية التي نعتقدها. البعد الثاني: هي في علم الخلاف: الآن لو ترجعون إلى كتبنا الأساسية في الإمامة تجدونها في الأعم الأغلب أنها كتبت في علم الخلاف، يعني هم يقولون أن علي هو الخليفة الرابع نحن نقول كذا، أما من هم الأئمة؟ ما هي مقاماتهم؟ ما هو علمهم؟ ما هي درجاتهم؟ هل لهم درجات الفيض؟ هل عندهم ولاية تكوينية؟ هذه كلها لم تبحث، لا توجد رسائل كاملة في هذا المجال».

ويعود بعدها ليواصل كلامه حول معايير اختيار المرجع فيقول: «نحن نعتقد أن واحدة من أهم ولا أقول أهم - حتى الشياع نبقيه على حاله، البينة هم نبقيها، شهادة أهل الخبرة هم نبقيها، وأموراً أخرى هم نبقيها - ولكن واحدة من أهمها هو التراث، ومن أقول التراث أعزائي لا أقصد التراث المكتوب. لا قد أن العلم من الأعلام لا يوجد عنده تراث مكتوب، ولكن في الحوزات العلمية خمسين عام، ثلاثين عام، خمسين عام، ستين عام، مشغول بتدريس مختلف هذه المواد.. كيف أنه عندما يشار إلى شخص أنه هذا ثلاثين عام يدرس الفقه، ولعله ما عنده أي كتاب فقهي.. المهم أنه معروف عنه أنه أستاذ مارس هذه العلم - تفسير، عقائد، فلسفة، عرفان - بالمقدار الذي أشرت إليه».

بعدها يتكلم السيد حفظه الله عن تراثه العلمي قائلاً: «وأنا عندما أقول تراثي كذا أطمئنوا أنني في هذا البعد أتكلم، أنه أقول يمكن لأهل الخبرة، لأهل التحقيق أن يراجعوا هذا التراث، أن يحكموا، الحقيقة بأيديهم، «وهذا» ليس مدعى بلا دليل... الأعزاء يعرفون منذ أربعين عام، منذ خمسة وثلاثين عام أن مشغول في الحوزة العلمية بالتدريس وتراثي موجود».

المناقشة:

ذكر السيد كمال الحيدري حفظه الله بأن من شروط المرجع أن يكون الأعلم، ومقصوده بالأعلم والأكفأ علمياً على أن يكون حصناً للإسلام ولمدرسة أهل البيت لا الأكفأ إدارياً على حد تعبيره، وبعدها شكك في إمكانية التوصل إلى الأعلم بالاعتماد فقط على الوسائل التقليدية المعروفة كشهادة أهل الخبرة والشياع، وقوله هذا يخالفه فيه جمع من العلماء، فليس جميع العلماء يعتقدون بنظرية وجوب تقليد الأعلم، كما أن هذه الرؤية في المرجعية تختلف عن رؤية الشهيد الصدر الذي يعبر عن مشروعه بالمرجعية الصالحة أو الرشيدة، وغيره من العلماء الذي يتبنى مشروع الأعمل بدلاً أو إضافة للأعلم، وهؤلاء يهتمون ليس فقط بالبعد العلمي والكفاءة العلمية، ولكن يهتمون أيضاً بالبعد الإداري والكفاءة الإدارية، وهذا ما لا يراه السيد الحيدري حفظه الله.

وهنا أرى من المناسب جداً أن أذكر كلام الشيخ محمد مهدي شمس الدين في هذه المسألة، وهي مسألة تقليد الأعلم، حيث يقول: «لقد ذكرت مراراً وأكرر الآن أن مفهوم مرجعية بمعنى وجود شخص واحد نسميه مرجعاً أعلى كما هو متداول الآن ليس له أساس لا في الفقه ولا في الفكر الإسلامي الشيعي، إنه أمر مستحدث نحن اخترعناه، الشيعة يرجعون إلى أحد فقهائهم ويختارونه بحسب قناعاتهم من بين الفقهاء الجامعين للشرائط، حتى بناءً على وجوب تقليد الأعلم، وهو مبنى لا نذهب إليه، درج الشيعة في عصرنا وقبل عصرنا على اختلاف أنظارهم فيمن هو الأعلم فيوجد عدة فقهاء مقلدين كل واحد يعتبر نفسه أنه الأعلم، ويعتبره مقلدوه أنه الأعلم، أما المحاولات التي تبذل الآن؛ وبعضها غير مشروع أو غير واضح المشروعية وقد يصل إلى حد فرض مرجعية شخص واحد بما يشبه «المراسيم» وادعاء أنه المؤهل الصالح الوحيد أو الأصلح للمرجعية ومرجع أعلى هذا أمر ليس له أي تبرير فكري ولا أي تبرير فقهي» [18] .

وينقل الشيخ شمس الدين معلومة ربما يجهلها الكثير من الناس، وهي في قوله: «وأقول للتاريخ إننا في عهد الإمام السيد محمد باقر الصدر كنا مجموعة من الناس وأنا واحد منهم رحم الله من توفاه وحفظ الله من بقي حياً. نحن اخترعنا هذا المصطلح في النجف اخترعنا مصطلح مرجع أعلى. وقبل مرحلة الستينات لا يوجد في أدبيات الفكر الإسلامي الشيعي هذا المصطلح على الإطلاق. هذا المصطلح نحن أوجدناه؛ السيد محمد باقر الحكيم، السيد محمد مهدي الحكيم، السيد محمد بحر العلوم، ولعله يمكن أن أقول إن جانب السيد الشهيد الصدر «رض» كان في هذا الرعيم وهو أعلاهم وأسماهم. والداعي أنا محمد مهدي شمس الدين، كنا مجموعة نعمل في مواجهة نظام عبد الكريم قاسم المؤيد للشيوعية في نطاق جماعة العلماء، وفي نطاق مجلة الأضواء، وأردنا أن نوجه خطاباً سياسياً للخارج سواء كانت مرجعية السيد الحكيم «رض» هي المرجعية البارزة وليست الوحيدة، أو كانت مرجعية السيد البرجردي في إيران هي المرجعية البارزة. اخترعنا هذا المصطلح واستعملناه وآسف لأنه أصبح مصطلحاً رائجاً وهو لا أساس له على الإطلاق استخدمناه وأفادنا كثيراً، ولكننا استخدمناه كآلية، ولم نكن، مؤقتاً نريده غلاً، ولا نريده عائقاً» [19] .

أما عن القول بتقليد الأعلم فيقول عنه الشيخ شمس الدين: «القول المشهور باشتراط أعلمية الفقيه، فقيه التقليد، هو قول مشهور عند متأخري المتأخرين، وأكاد أقول عند المعاصرين، وهو قول موافق للإحتياط لمن استطاع. لا أقول هو قول لا قيمة له من الناحية العملية، ولكنه قد يكون غير مستطاع وهذا بحث آخر. يوجد ارتباط غير واع بين مصطلح مرجع أعلى الذي اخترعناه نحن، وبين وجوب تقليد الأعلم. نحن لا نرى أساساً لهذا الربط على الإطلاق. اشتراط وجوب الأعلمية في الفقيه الذي هو قول فقهي محترم ومشهور عند متأخري المتأخرين أمر آخر غير ما اخترعناه من مصطلح مرجع أعلى» [20] .

نقطتين أخيرتين..

وقبل أن نختم الحديث حول هذا الموضوع؛ بقي أن نشير إلى نقطتين ذكرهما السيد الحيدري في نهاية حديثه، النقطة الأولى هي رده على الذين استنكروا عليه قوله بأعلميته على المراجع المتصدين، حيث علل ذلك بتوضيحه بأن كل من يتصدى للمرجعية وهو يعتقد بنظرية الأعلم يرى أعلميته، ووضح ذلك بقوله: «عندما يكتب الشخص رسالة عملية، ويكتب في مقدمتها أن العمل بهذه الرسالة مجزئ ومبرأ للذمة إنشاء الله تعالى، ويكتب في أول مسائل الاجتهاد والتقليد يجب تقليد الأعلم.. إذا هل يريد أن يقول أنا أعلم أو ليس بأعلم؟ هو يقول يجب تقليد الأعلم، ويكتب رسالة عملية فعلى ماذا يدل ذلك؟».

وأما النقطة الأخرى التي أشار إليها السيد الحيدري، هي حول نفيه لاجتهاد بعض المرجعيات الدينية، حيث يقول: «هذه القضية بشكل واضح وصريح أنا ليست من أولئك الذين أنفي الاجتهاد عن البعض بنحو الإطلاق. أنا قلت: أن هناك رؤية، مشروع علمي «ووفق هذه الرؤية هم ليسوا مجتهدين عندي».. أضرب مثال للأعزة حتى يتضح، وهو أنه الآن لو سألت الذي يعتقد بالمشروع الأصولي والنظرية الأصولية في عملية الاجتهاد، يعني يعتقد أنه لا بد أن يقرأ الإنسان عشرين عام، ثلاثين عام أصول حتى يجتهد في الفقه. هل يعتقد أن الذي لا يقرأ الأصول هو مجتهد أم لا يعتقد؟».

ويردف قائلاً: «بعبارة واضحة أن الأصولي يعتقد أن الإخباري مجتهد أم لا يعتقد؟ يقول لا، ليس بمجتهد «يعني الأصولي». لماذا؟ لأنه ضمن هذه الرؤية الاجتهادية التي أملكها هذا ليس بمجتهد... إذاً أعزائي أنا لم أنفي الاجتهاد بنحو الإطلاق للأعلام والرموز قلت ضمن الرؤية التي قد يتفق معي الآخر أو يختلف معي... تعبير نسبي وليس مطلق. لا أنفي. لا يحق لي ذلك...». إذاً السيد الحيدري لم ينفي الاجتهاد بالمعنى السائد للاجتهاد، وإنما ينفي الاجتهاد وفق الرؤية الاجتهادية التي يتبناها.

ويختم السيد الحيدري حفظه الله حديثه في التسجيل المصور بكلام للشيخ كاشف الغطاء، حيث يقول: «آخر ما أحب أقوله هو كلام ذكره أيضاً الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، وإنما أؤكد على شخصية هذا الرجل الكبير والعظيم للمظلومية التي عاشها، وأنا أتصور أن الشيخ كاشف الغطاء أنه عاش هذه المظلومية، لأنه كان له مشروع غير المشروع المتعارف والمألوف، يقول الشيخ أيضاً في كتابه الفردوس الأعلى، في صفحة 79 يقول: وخلاصة ذلك أن طريقة الإمامية في تعيين من له حق المرجعية - هذه هي سنة السلف الصالح - من زمن الشيخ المفيد إلى زمن الأنصاري هي النظر إلى مقدار إنتاجه وكثرة مؤلفاته - وهذا أشرنا له فيما سبق - وعظيم خدماته للشرع والإسلام - «القضية ليست فقط في البعد النظري، أن يجلس في مكان ويكتب. لا هذا ليس معناه لديه كفاءة مرجعية الطائفة، لا بد أن يكون عنده خدمات، بمختلف الأساليب بأي طريق، مؤسسات جامعات،....» - ومساعيه في صيانة الحوزة والذب عنها - «الحوزة أي حوزة مدرسة أهل البيت هذا الذي عبرت عنه بالحصن والسور..» - لا ببذل المال وكثرة الدعايات الناشئة من المطالب والأغراض أعاذنا الله وعصمنا من كل سوء وشين».

وبهذا ختم السيد كمال الحيدري حفظه الله حديثه حول هذا المشروع الذي يتبناه، وأتمنى أن أكون قد وفقت لتقديم فكرته ومشروعه على الوجه الأمثل، مع ملاحظة أنني قد غيرت وبدلت وأضفت وحذفت بعض العبارات بما يخدم توضيح فكرته، ولا يخل بالمعنى الذي أراده السيد من حديثه، علماً بأنني حرصت في أكثر المواضع على أن أبقي كلماته على ما هي عليه دون أي تغيير.

[1]  راجع كتاب التجديد في الفكر الإسلامي للشيخ محمد مهدي شمس الدين ص 45، نشر دار المنهل اللبناني الطبعة الأولى 1997م - 1418هـ.

[2]  راجع صحيفة الإمام 22: 21.

[3]  راجع كتاب أزمة العقل الشيعي، نقلاً عن كتاب الحسني ص164 - 166.

[4]  راجع الكتاب السابق نقلاً عن مرجعية الميدان للأستاذ عادل رءوف، وكتاب اغتيال شعب للأستاذ فائق الشيخ علي وكتاب رجل الفكر والميدان لمجموعة من الباحثين.

[5]  راجع كتاب التجديد في الفكر الإسلامي للشيخ محمد مهدي شمس الدين ص17، دار المنهل اللبناني الطبعة الأولى 1997 - 1418.

[6]  راجع الكتاب السابق ص18.

[7]  راجع الكتاب السابق ص39.

[8]  راجع الكتاب السابق ص22.

[9]  راجع الكتاب السابق ص19.

[10]  راجع كتاب أزمة العقل الشيعي نقلاُ عن أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ج5 ص 421.

[11]  راجع الكتاب السابق ص102.

[12]  راجع الكتاب السابق ص 102.

[13]  راجع الكتاب السابق نقلاً عن كراس المحنة للشهيد الصدر.

[14]  راجع الكتاب السابق نقلاً عن خطاب الامام الخميني الشهير الموجه الى العلماء في 15 رجب 1409 هـ وبياناته الكثيرة حول المؤسسة الدينية وطلبة العلوم الدينية، وكذلك كتاب «تنبيه الأمة وتنزيه المله» للإمام النائيني، وكتاب «موعد اللقاء» مؤسسة نشر تراث الإمام ط1 سنة 1996 ص133.

[15]  راجع الكتاب السابق ص44 نقلاً عن خطاب المحنة.

[16]  راجع كتاب الدكتور عبد الهادي الفضلي تأريخ ووثائق لحسين منصور الشيخ ص 248 الطبعة الأولى نشر مداد للثقافة والإعلام 1430هـ - 2009م.

[17]  راجع كتاب أزمة العقل الشيعي، نقلاً عن مرجعية الميدان للأستاذ عاد رؤوف وكتاب اغتيال شعب للأستاذ فائق الشيخ علي وكتاب رجل الفكر والميدان لمجموعة من الباحثين.

[18]  راجع كتاب التجديد في الفكر الإسلامي ص34.

[19]  راجع الكتاب السابق ص 45 - 46.

[20]  راجع الكتاب السابق ص 48.
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
باد البواد
[ أرض العروبة ]: 26 / 9 / 2011م - 10:03 ص
اللهم احفظ السيد الحيدري وأطل في عمره ، فقد حامى عن الإسلام الأصيل وأبان ما خفى عن بعض من خالف نهج أهل بيت النبوة .
2
عباس
26 / 9 / 2011م - 2:22 م
(ولهذا آليت على نفسي، أن أقدم توضيحاً لمشروع السيد كمال الحيدري حفظه الله للمرجعية الدينية، معتمداً في ذلك على أقواله وتصريحاته في التسجيل الثاني المصور)
كيف توضح مشروع اعتماداً على شريط واحد ؟ اذا تلاميذ سيد كمال الا عاشروه سنين وسمعوا منه ومن أكثر من عشر سنين أقواله في المرجعية ما واحد منهم حاول يدافع عنه
صدق عاد لو نقل كلامك هذا الى سيد كمال كان تبرأ منه و قال فيه مثل ما قال في الشريط الا ول